فانتبه يتكلم بها . ثم كان يؤازر ( 1 ) داود بحكمته . فقال له داود : طوبى لك - يا لقمان - أعطيت الحكمة ، وصرفت عنك البلوى .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 2 ) : حدّثني أبي ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود المنقريّ ، عن حمّاد قال : سألت أبا عبد اللَّه - عليه السّلام - عن لقمان وحكمته الَّتي ذكرها اللَّه - عزّ وجلّ - .
فقال : أما واللَّه ، ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال . ولكنّه كان رجلا قويّا في أمر اللَّه ، متورّعا في اللَّه ، ساكتا ، مسكينا ، عميق النّظر ، طويل الفكر ، حديد النّظر ، مستغن بالعبر لم ينم نهارا قطَّ . ولم يره أحد من النّاس على بول ولا غائط ولا اغتسال ، لشدّة تستّره ، وعمق نظره ، وتحفّظه في أمره . ولم يضحك من شيء قطَّ ، مخافة الإثم . ولم يغضب قطَّ . ولم يمازح إنسانا قطَّ . ولم يفرح بشيء إن أتاه من أمر الدّنيا ، ولا حزن منها على شيء قطَّ . وقد نكح من النّساء ، وولد له من الأولاد الكثير . وقدّم أكثرهم إفراطا ، فما بكى على موت أحد منهم . ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان ، إلَّا أصلح بينهما . ولم يمض عنهما ، حتّى تحابّا . ولم يسمع قولا قطَّ من أحد استحسنه ، إلَّا سأل عن تفسيره وعمّن أخذه . وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء . وكان يغشى القضاة والملوك والسّلاطين . فيرثي للقضاة ممّا ابتلوا به ، ويرحم الملوك والسّلاطين لغرّتهم باللَّه وطمأنينتهم في ذلك . ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ، ويجاهد به هواه ، ويحترز به من الشّيطان . وكان يداوي قلبه بالفكر ، ويداوي نفسه بالعبر . وكان لا يظعن ، إلَّا فيما يعنيه . فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة .
وأنّ اللَّه - تبارك وتعالى - أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار وهدأت العيون بالقائلة ، فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم . فقالوا : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك اللَّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس ؟
فقال لقمان : إنّ أمرني اللَّه بذلك ، فالسّمع والطَّاعة . لأنّه إن فعل بي ذلك ، أعانني عليه وعلَّمني وعصمني . وإن هو خيّرني ، قبلت العافية .
فقالت الملائكة : يا لقمان ، لم [ قلت ذلك ؟ ] ( 3 )
هامش
1 - هكذا في المصدر ون . وفي سائر النسخ :
يوازي .
2 - تفسير القمي 2 / 161 - 163 .
3 - من المصدر .