فقال شمعون : يا روح اللَّه ، أمن طعام الدّنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟
فقال عيسى : ليس شيء ممّا ترون من طعام الدّنيا ، ولا من طعام الآخرة .
ولكنّه شيء افتعله اللَّه - تعالى - بالقدرة الغالبة . كلوا ممّا سألتم ، يمدكم ويزدكم ( 1 ) من فضله .
فقال الحواريّون : يا روح اللَّه ، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى .
فقال عيسى - عليه السّلام - يا سمكة ، أحيي بإذن اللَّه - تعالى - فاضطربت السّمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ، ففزعوا ( 2 ) منها . فقال : ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها . ما أخوفني عليكم أن تعذّبوا ؟ يا سمكة ، عودي كما كنت بإذن اللَّه - تعالى - فعادت السّمكة مشويّة كما كانت .
فقالوا : يا روح اللَّه ، كن أوّل من يأكل منها ثمّ نأكل نحن .
فقال عيسى - عليه السّلام - : معاذ اللَّه أن آكل منها ، ولكن يأكل منها من سألها . فخافوا أن يأكلوا منها . فدعا لها عيسى - عليه السّلام - أهل الفاقة والزّمنى والمرضى والمبتلين ، فقال : كلوا منها جميعا ولكن الهناء ، ولغيركم البلاء . فأكل منها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة ، من فقير ومريض ومبتلى وكلَّهم شبعان يتجشّأ . ثمّ نظر عيسى إلى السّمكة ، فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السّماء . ثمّ طارت المائدة صعدا ، وهم ينظرون إليها حتّى توارت عنهم . فلم يأكل يومئذ منها زمن إلَّا صحّ ، ولا مريض إلَّا بريء ، ولا فقير إلَّا استغنى ولم يزل غنيّا حتّى مات . وندم الحواريّون ، ومن لم يأكل منها .
وكانت إذا نزلت ، اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار يتزاحمون عليها .
فلمّا رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم . فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى . فلا تزال منصوبة يؤكل منها ، حتّى إذا فاء الفيء طارت صعدا وهم ينظرون في ظلَّها حتّى توارت عنهم .
وكانت تنزل غبّا ، يوما ويوما لا . فأوحى اللَّه - تعالى - إلى عيسى
هامش
1 - هكذا في المصدر وأ . وفي سائر النسخ : يرزقكم .
2 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : وفرقوا .