تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
قوله تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
لا يبعد أن يكون ما فيه من الإشارة إلى الخلق والتدبير بيانا لقهاريته تعالى لكن اتصال الآيتين وارتباطهما مضمونا وانتهاء الثانية إلى قوله :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ »
الخ ؛ كالصريح في أن ذلك استئناف بيان للاحتجاج على توحيد الربوبية . فالآية والتي تليها مسوقتان لتوحيد الربوبية وقد جمع فيهما بين الخلق والتدبير لما مر مرارا أن إثبات وحدة الخالق لا يستلزم عند الوثني نفي تعدد الأرباب والآلهة لأنهم لا ينكرون انحصار الخلق والإيجاد فيه تعالى لكنه سبحانه فيما يحتج على توحده في الربوبية والألوهية في كلامه يجمع بين الخلق والتدبير إشارة إلى أن التدبير غير خارج من الخلق بل هو خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه وعند ذلك يتم الاحتجاج على رجوع التدبير اليه تعالى وانحصاره فيه برجوع الخلق اليه . وقوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
إشارة إلى الخلقة ، وفي قوله :
« بِالْحَقِّ »
- والباء للملابسة - إشارة إلى البعث فإن كون الخلقة حقا غير باطل يلازم كونها لغاية تقصدها وتنساق إليها وهي البعث قال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
( ص / 27 ) . وقوله :
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
قال في المجمع : التكوير طرح الشيء بعضه على بعض . انتهى فالمراد طرح الليل على النهار وطرح النهار على الليل فيكون من الاستعارة بالكناية قريب المعنى من قوله :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
( الأعراف / 54 ) والمراد استمرار توالي الليل والنهار بظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا وهكذا ، وهو من التدبير . وقوله :
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
أي سخر الشمس والقمر فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى أجل مسمى معين لا يتجاوزانه .