العالِم ، والجاهلُ شقيٌّ بينهما ، واللهُ وليُّ مَن عَرَفَه ، وعدوُّ من تكلَّفَهُ ، والعاقلُ غفورٌ ،
شرح
قوله : ( وبين المرء والحكمة ( 1 ) نعمة العالم ( 2 ) والجاهل شقيّ بينهما ) .
لعلّ المراد بكون الشيء بين المرء والحكمة كونه موصلا للمرء إلى الحكمة
وواسطة في حصولها له ، كما في رواية جابر عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " بين العبد والكفر ترك
الصلاة " . ( 3 ) أي ترك الصلاة موصل للعبد إلى الكفر .
والغرض أنّ ما أنعم الله به على العالِم من العلم والفهم والصدق على الله واسطة
للمرء يوصله إلى الحكمة ، فإنّ المرء إذا عرف حال العالم اتّبعه وأخذ منه ، فيحصل
له الحكمة ومعرفة الحقّ والإقرار به والعمل على وفقه . وكذا بمعرفة حال الجاهل
هامش
1 . في حاشية " م " : " وبين المرء والحكمة " . البين قد يكون اسماً بمعنى الوصلة ، مثل قولك : " رأيته غداة البين " .
وبمعنى الفرقة كما في " غراب البين " .
قد يكون ظرفاً متمكّناً . وهو هنا اسم بمعنى الوصلة ، مرفوع على الابتداء . ويحتمل أن يكون ظرفاً
منصوباً . ويضاف " شقيّ " إلى " بينهما " على الأوّل كقوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ) لا على الثاني .
ومضى معنى الحكمة في ثاني عشر الباب أنّها الفهم والعقل ، يعني إنّ العالم يفرح أن يكون المرء حكيماً ، فيكون
عالماً بزمانه جازماً ، والجاهل يسوء أن يكون المرء حكيماً . فقوله " نعمة " مضاف إلى " العالم " إضافة لاميّة .
والمراد بالشقاء التعب والمشقّة ، وهو ضدّ السعادة الأُخرويّة . وضمير " بينهما " للمرء والحكمة . والحاصل على
الثاني أنّ في الوصلة بين المرء والحكمة نعمة للعالم ؛ لالتذاذه بها ، وشقاء للجاهل لنفرته عن تلك الوصلة ، فإنّه
يحبّ أن يكون الناس على السفه وخلاف الحق ؛ ليتيسّر له ترويج الجهلة ، أو ليكون الناس مثله . ولو حمل
الفقرتان السابقتان على الأمر بالتقيّة ، احتمل أن يراد هاهنا أنّ المرء إذا كان عالماً كان اتّصافه بالحكمة سهلا
فيتّقي ، وإذا كان جاهلا صعبت عليه الحكمة فلا يتّقي .
2 . في حاشية " ل " : " نَعمة العالم " بفتح النون يعني أنّ الموصل للمرء إلى الحكمة تنعّم العالم بعلمه ، فإنّه إذا رآه
المرء انبعث نفسه إلى تحصيل الحكمة . أو إضافة النِعمة - بالكسر - بيانية ، أي العالم الذي هو نعمة من الله
سبحانه موصل المرء إلى الحكمة بتعليمه له إيّاها . " والجاهل شقيّ بينهما " أي له شقاوة حاصلة من بين المرء
والحكمة أو التعلّم والعالم . وذلك لأنّه لا يزال يتعب نفسه إمّا بالحسد أو الحسرة على الفوت أو السعي في
التحصيل مع عدم القابلية للفهم . ( الوافي ، ج 1 ، ص 119 ) .
3 . جامع الأخبار ، ص 73 ، الفصل 34 في تارك الصلاة ؛ وعنه في بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 203 ، باب فضل الصلاة
وعقاب تاركها ، ح 2 ، ومستدرك الوسائل ، ج 3 ، ص 45 ، أبواب أعداد الفرائض ونوافلها وما يناسبها ، ح 2978 .