شرح
يكون الإقرار بالحقّ والانقيادُ له عند القليل النادر المتروك عندهم ، المذمومِ لديهم ،
المحسود لهم ، فيبغضونه للتعارف الذي بينهم وينكرونه ، تقويةً لباطلهم وترويجاً
له ، كما كان في أسلافهم حَذْوَ النعل بالنعل ، بل البَطَلَة من أهل هذه الأزمان أسوأُ حالا
وأشدّ خسراناً من أُولئك الظلمة من السابقين ؛ حيث لا ينالون باستكبارهم عن الحقّ
ما نالوه من الدنيا بل شَرَوْا الحقّ بثمن بخس تسلية أنفسهم بإخفاء الحقّ والتلبيس
على الحُمق والوجاهة عندهم .
ثمّ لمّا كان مظنّة أن يقال : الظنّ بالسلف أنّهم مثل أبناء هذه الأزمان ( 1 ) بل تجويز
ذلك من سوء الظنّ بهم ، فقال ( عليه السلام ) : ( والحزم مساءة الظنّ ) . ( 2 ) الحزم : إحكام الأمر
وضبطُه والأخذ فيه ( 3 ) بالثقة ، والمساءة مصدر ميمي .
والمراد أنّ إحكام الأمر وضبطَه والأخذَ بالثقة وتحصيلَ العلم فيه يوجب سوء
الظنّ بهم ، أو يترتّب ( 4 ) على سوء الظنّ بهم وتجويز كونهم مثلَ هؤلاء ؛ فإنّه لو لم
يجوِّز ذلك لِحُسْنِ الظنّ بهم ، لم يتتبّع ( 5 ) ولم يَسْعَ في طلب معرفة الحقّ ، فلا يحصل له
العلم بالحقّ ، فمن يريد تحصيل العلم والاعتقاد الجازم الثابت يبني ( 6 ) الأمر على
تجويز السوء منهم أوّلا حتّى يتبيّن ( 7 ) الأمر بالبيّنة ، ومن يجوِّز السوء بهم يوصله ذلك
التجويز إلى إحكام الأمر والبناءِ فيه على الموثوق به الذي يوجب الاعتقاد الجازم
الثابت .
هامش
1 . في " خ ، ل " : " هذا الزمان " .
2 . في حاشية " ل " : والمراد بمساءة الظنّ التجويز العقلي الذي يقع به الاحتياط ، لا اعتقاد الفساد أو القول
بالسوء رجماً بالغيب ، فإنّه مذموم . بل ينبغي أن يكون الإنسان حسن الظنّ بالخلائق ، ولا منافاة بين الأمرين .
الوافي ، ج 1 ، ص 119 .
3 . في " خ " : " منه " .
4 . الضمير المستتر في " يترتّب " راجع إلى " إحكام الأمر " .
5 . في " م ، ل " : " لم يتبع " .
6 . في " خ " : " يعني " .
7 . في " ت " : " يتبنّى " .