وما تَدْرِي لِمَ هذا ؟ " قلت : لا ، قال : " الذي تُكَلِّمُهُ ببعض كلامك فيعْرِفُه كُلَّه ، فذاك مَن
عُجِنَتْ نطفتُهُ بعقله ؛ وأمّا الذي تُكَلِّمُهُ فيستوفي كلامَك ثمّ يُجِيبُك على كلامك ، فذاك الذي
رُكِّبَ عقلُه فيه في بطن أُمّه ؛ وأمّا الذي تُكَلِّمُهُ بالكلام فيقولُ : أعِدْ عَلَيَّ ، فذاك الذي رُكّبَ
عقلُه فيه بعدما كَبِرَ ، فهو يقول لك : أعِدْ عَلَيَّ " .
28 . عِدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمدَ بن محمّد ، عن بعض من رَفَعَهَ ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام )
قال : " قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إذا رأيتم الرجلَ كثيرَ الصلاة ، كثيرَ الصيام ، فلا تُباهوا به حتّى
شرح
ثمّ شرع ( عليه السلام ) في بيان سبب الاختلاف ، فقال : ( الذي تكلّمه . . . ) وهو أوّل من ذكره
السائل ( مَن عجنت نطفته بعقله ) أي خلقت النفس المتعلّقة ببدنه المناسبة له على
هيئة كمالية تناسب العقل ، فيشتدّ ارتباطها به ، ويقوى إشراقه عليها ، وتتّصل به .
ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( وأمّا الذي تكلّمه فيستوفي كلامك ، ثمّ يجيبك على كلامك ) أي
يكلّمك بكلام على طبق كلامك ( فذلك الذي ركّب عقله فيه في بطن أُمّه ) أي حصل
لنفسه ذلك الارتباط ، واستحكم فيه بالإشراق بعد التعلّق بالبدن بالقابلية الحاصلة لها
باعتباره ، منضمّة إلى ما لها ( 1 ) في نفسها .
ثمّ قال : ( وأمّا الذي تكلّمه بالكلام فيقول : أعد عليّ ، فذاك ( 2 ) الذي ركّب عقله فيه
بعد ما كبر ) أي استحكم فيه ذلك الارتباط بعد استعمال الحواسّ وحصول البديهيّات
والمبادئ ، فما للثالث يكون للثاني على الوجه الأتمّ مع زيادة ، وما لهما يكون للأوّل
على الوجه الأكمل مع زيادة .
قوله : ( لا تباهوا به ) من المباهاة بمعنى المفاخرة ، أي لا تفتخروا بكونه كثيرَ
العبادة ، ولا تعدّوه من المَفاخر .
ويحتمل أن يكون من بَهَأَ به بهاءً ، مهموز اللام ، مخفّفُ " لا تُباهِئُوا " أي لا
تؤانسوا به حتّى تنظروا كيف عقله ؛ فإنّه لا فخر بما ليس معه عقل ؛ فإنّ كلّ حُسن
مستورٌ بقبح الجهل ، مضمحلّ معه ، ومؤانسة غير العاقل غير مرضيّ عند العقل .
هامش
1 . في " خ ، ل " : " حالها " .
2 . في " خ " : " فذلك " .