قالَ : فقالَ لي : يا أبا جعفر ، كنتُ أجلِسُ مع أبي على الخِوان فيُلْقِمُني البَضْعَةَ السمينةَ
ويُبَرِّدُ لي اللّقمةَ الحارَّةَ حتّى تَبرُدَ ، شَفقَةً عَلَيَّ ، ولم يُشْفِقْ عَلَيَّ من حَرِّ النار ، إذا أخْبَرَك
بالدين ولم يُخْبِرْني به ، فقلت له : جُعِلْتُ فِداك من شَفَقَتِه عليك من حرّ النار لم يُخبِرْك ،
خافَ عليك أن لا تَقْبَلَه فتَدْخُلَ النارَ ، وأخْبَرَني أنا ، فإن قبلتُ نجوتُ ، وإن لم أقْبَلْ لم يُبالِ
أن أدخُلَ النارَ ، ثمَّ قلتُ له : جُعلتُ فداك ، أنتم أفضلُ أم الأنبياء ؟ قال : بل الأنبياء ، قلتُ :
يقولُ يعقوبُ ليوسف : ( يَبُنَىَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ) لِمَ لَمْ يُخْبِرْهم
حتّى كانوا لا يَكيدونَه ، ولكن كتَمهم ذلك ، فكذا أبوك كتَمك لأنّه خافَ عليك ، قال : فقال :
أما والله ، لئن قلتَ ذلك لقد حدَّثني صاحبُك بالمدينة أنّي أُقْتَلُ وأُصْلَبُ بالكناسة ، وأنّ عنده
لصحيفةً فيها قتلي وصَلْبي .
شرح
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ) ( 1 ) فكما كتمهم [ ذلك ] مخافةَ أن يكيدوا له ، فكذا أبوك كتمك
[ ذلك ] مخافة مخالفتك .
ولمّا كان بناء كلام الأحول على ظنّه بزيد أنّه غير مقرٍّ بالإمامة وغيرُ عارف
بإمامه ، ولم يكن ( 2 ) المصلحة في إظهار حاله والتصريحِ ببطلان ظنّه ومقاله ، أضرب
عن التعرّض لجوابه كأنّه لا يليق بالجواب ؛ لعدم تنبّهه لما يندرج في طيّ الخطاب ،
وقال تنبيهاً له على أنّ مجاهدته ليس لنيل الرئاسة ، ولا لجهله بالإمامة كما ظنّه ، بل
لأمر آخر : ( والله لئن ( 3 ) قلت ذلك ) وظننت بي ما ظننت ( فلقد حدّثني صاحبك )
الذي هو الحجّة ( بالمدينة ) وأنا أواليه وآخذ عنه ( أنّي أُقتل وأُصلب بالكناسة ، وأنّ
عنده لصحيفةً فيها قتلي وصَلبي ) .
والغرض أنّه يَعلم من قول مَن لا شكّ ( 4 ) في صدقه مصيرَ أمره ، وإنّما يريد
المجاهدة لما يجوز له بمراضاة من الحجّة ومَشُورة .
وإنّما حملنا هذا الحديث على ما حملناه لما صحّ بروايات معتبرة كونُ زيد
هامش
1 . يوسف ( 12 ) : 5 .
2 . في " ل " : " لم تكن " .
3 . في " ل " : " إن " .
4 . في " ل " : " يشكّ " .