وقليلُ الحقّ يَكفي عن كثيرِ الباطل ، أنتَ والأحولُ قَفّازانِ حاذِقانِ " . قالَ يونسُ : فظننتُ والله
أنّه يقولُ لهشام قريباً ممّا قالَ لهما ، ثمَّ قال : " يا هشام ، لا تكادُ تَقَعُ تَلْوِي رِجْليك ، إذا
هَمَمْتَ بالأرضِ طِرْتَ ، مُثْلُك فَلْيُكَلِّمِ الناسَ ، فَاتَّقِ الزلَّةَ ، والشفاعةُ من ورائها إن شاء الله " .
شرح
وفي بعض النسخ " أقرب ما تكون " بلفظ الخطاب ، أي أقرب حالك التي تكون
عليها من الخبر أبعد حالك عنها . وحاصله : أنّه إذا أردت القرب من الخبر والموافقة
له تقع في المخالفة والبُعد عنه ، وهذا كثاني الاحتمالين السابقين .
ويمكن حمل هذه النسخة أيضاً على مثل ما ذكرناه أوّلا .
وقوله : ( أنت والأحول فقاران ( 1 ) حاذقان ) .
يقال : افتقر عن معان غامضة ، أي فتح عن معان غامضة واستخرجها ، من فقرتُ
البئر : إذا حفرتَها لاستخراج مائها . و " الفقّار " : فعّال من فقر . وحاصل المعنى فتّاحان
عن المعاني المغلقة ، مستخرجان للغوامض ، حاذقان في الاستخراج .
وقوله : ( يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك ) أي لا تكاد تسقط حالَ كونك تثني
رجليك ( إذا هممتَ بالأرض ) وقصدتها نزولا [ ( طِرْتَ ) ] نزلت بالطَيَران ، لا
بالسقوط بالعجز عن الطيران . ولا يخفى ما فيه من الدلالة على كمال قوّته واقتداره
في التكلّم الذي كنى بالطيران عنه تشبيهاً له في حاله بالطائر الكامل في قوّته على
الطيران ؛ حيث ادّعى له ما يندر تحقّقه في الطير .
( مثلك ) أي مَن يكون بهذه المرتبة من القوّة في الكلام فعليه أن يكلّم الناس
وهو به حقيق ( فاتّق الزلّة ) إذا كلّمتهم . والزلّة تكون بالكلام عند تحقّق موجب
السكوت - كخوف الضرر بالنسبة إلى الحجّة ، أو مَن تبعه من الفرقة ، أو على نفسه -
وبالمساهلة المنجرّة إلى الخَلَل في البيان ، اعتماداً على قوّة الغلبة على الخصم وإن
لم يكن البيان صحيحاً ، وبالعُجب باقتداره على ما يعجز عنه الأشباهُ والأقران ،
هامش
1 . في " ل " والكافي المطبوع : " قفّازان " .