2 . محمّد بن يحيى وعليُّ بن إبراهيمَ جميعاً ، عن أحمدَ بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم
وعبد الله بن يزيد جميعاً ، عن رجل من أهل البصرة ، قالَ : سألتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن
الاستطاعة ، فقال : " أتَستطيعُ أن تَعمَلَ ما لم يُكَوَّنْ ؟ " قال : لا ، قال : " فتستطيعُ أن تَنْتَهِيَ
عمّا قد كُوِّنَ ؟ " قال : لا ، قال ، فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " فمتى أنتَ مستطيعٌ ؟ " قال : لا أدري ،
قال : فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " إنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقاً ، فَجَعَلَ فيهم آلةَ الاستطاعة ، ثمَّ لم يُفَوِّضْ
إليهم ، فهم مُستطيعونَ للفعل وقتَ الفعل مع الفعل إذا فَعَلوا ذلك الفعلَ ، فإذا لم
يَفْعَلوه في مُلْكه لم يكونوا مستطيعينَ أن يَفَعَلوا فعلا لم يَفْعَلُوه ، لأنّ اللهَ - عزّ وجلّ -
أعَزُّ من أن يُضادَّه في ملكه أحدٌ " . قال البصريّ ، فالناسُ مَجبورونَ ؟ قال : " لو كانوا
شرح
قوله : ( أتستطيع أن تعمل ما لم يكوّن ؟ ) أي أتستطيع أن تعمل ما لم يتمّ أسباب
وجوده ؟ وكيف يكون مستطيعاً في وقت عدم شيء لعدم استجماع شرائط وجوده
لذلك الشيء في ذلك الوقت ، وعدم سبق ما لا يدخل في الوجود إلاّ بسبقه كمشيّة الله
وإرادته وقَدَره ، وكالمعدّات المُهيّئة للموادّ ؟ !
وقوله : ( فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كُوِّن ؟ ) أي في زمان وجوده بأسبابه الموجبة
له ، وكيف يكون الاستطاعة لترك ما قد أوجد بأسبابه الموجدة في زمان وجوده ،
والاستطاعة للشيء التمكّن منه وانقيادُ حصول ذلك الشيء له ، واستطاعةُ أحد
الطرفين لا تستلزم استطاعة الآخر بخلاف القدرة ؛ فإنّ القدرة على أحد الطرفين
يلزمها القدرةُ على الآخر ، والقدرة على الفعل تسبقه بمراتبَ بخلاف الاستطاعة .
وقوله : ( فجعل فيهم آلة الاستطاعة ) أي آلة حصولها وما به يتمّ حصولها ( ثمّ لم
يفوّض إليهم ) الأمرَ في حصول الاستطاعة وحصول ما أعطاهم آلةَ استطاعته ( فهم
مستطيعون للفعل وقتَ الفعل مع وجود الفعل ) بإتيانهم به ( فإذا لم يفعلوه في
مُلكه ) وسلطانه الشامل لهم - وهم تحت قدرته وإرادته وقَدَره وقضائه - ( لم يكونوا
مستطيعين أن يفعلوا فعلا لم يفعلوه ) ولم يكن في مشيّته وإرادته وقَدَره ؛ لأنّه
تعالى أعزُّ من أن يضادَّه ويعارضه أحد في مُلكه بالتصرّف بإيجاد ما لم يوجده
سبحانه ولم يشأه ولم يقدّره .