فيهم ، إنّ الله لم يُجْبِرْ أحداً على معصيته ، ولا أرادَ - إرادةَ حَتْم - الكفرَ من أحد ، ولكن حينَ
كَفَرَ كانَ في إرادة الله أن يَكْفُرَ ، وهم في إرادةِ الله وفي عِلْمِه أن لا يَصيروا إلى شيء من
الخير " . قلتُ : أرادَ منهم أن يكفروا ؟ قال : " ليس هكذا أقولُ ، ولكنّي أقول : عَلِمَ أنّهم
سَيَكْفُرونَ ، فأرادَ الكفرَ لعِلْمِه فيهم ، وليست هي إرادة حَتْم ، إنّما هي إرادةُ اختيار " .
شرح
على وفق إرادة العبد من الله سبحانه ، وإفاضة الوجود منه سبحانه عليه بمشيّته
وإرادته وقضائه وقَدَره ( إنّ الله لم يُجبر أحداً على معصية ) لصدورها عنه
بقدرته وإرادته ( ولا أرادَ - إرادةَ حتم - الكفر من أحد ) حتّى يقع الكفر بلا
مدخليّة إرادة العبد ، إنّما أراد وقوع الكفر عند إرادة العبد إيّاه وبها وبقدرته ،
فيتعلّق هذه الإرادة منه سبحانه بالعَرَض بالكفر وتحقّقه ، فحين كفر بإرادته
كان في إرادة الله أن يكفر ، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى
شيء من الخير بإرادتهم .
وقوله : ( أراد منهم أن يكفروا ؟ ) أي شاء منهم أن يكفروا ، وذلك مقصوده منهم .
ولمّا كان هذا الكلام من السائل إنّما نشأ من توهّمه من قوله : " كان في إرادة
الله أن يكفروا " أنّ الكفر مراده ومطلوبه منهم ، أجابه ( عليه السلام ) ( ليس هكذا أقول ) ولم
يكن مرادي من قولي هذا ، ولكنّ المراد من قولي وما أقوله ، أنّ الله أراد وقوعَ
مرادهم ، وعلم أنّ إرادتهم تتعلّق بالكفر ، فتعلّق إرادته بكفرهم من حيث تعلّق
ارادته بوقوع ما يريدون ، ومن حيث علمه بتعلّق إرادتهم به ، وهذا لا يستلزم
كون الكفر مقصودَه ومطلوبه منهم ؛ فإنّ دخوله في القصد بالعَرَض لا بالذات ،
وتعلّق الإراده بالكفر بالعَرَض ليست موجبة ( 1 ) للفعل إيجاباً يخرجه عن الاختيار ؛
لأنّ هذا التعلُّق من جهة إرادتهم واختيارهم ، وما يتعلّق بشيء من جهة الإرادة
والاختيار لا يخرجه عن الاختيار .
هامش
1 . كذا في النسخ ، والأولى : " ليس موجباً " .