وبقوّتي أدَّيْتَ فرائضي ، وبنعمتي قَوِيتَ على معصيتي ، جَعَلْتُك سميعاً ، بصيراً ، قويّاً ؛ ما
أصابَك من حَسَنَة فمن الله ، وما أصابَك من سيّئة فمِنْ نفسك ، وذاك أنّي أولى بحسناتك
منك ، وأنت أولى بسيّئاتِك منّي ، وذاك أنّني لا أُسْأَلُ عمّا أفعَلُ وهم يُسألون " .
شرح
قدرتك على ما تشاء ، والقوى الشهوانيّةِ والغضبيّةِ - التي بها حفظ الأبدان والأنواع
وصلاحها - قويتَ على معصيتي .
وقوله : ( جعلتك سميعاً ، بصيراً ، قويّاً ) .
السمعُ والبصر ناظر إلى الفقرة الثانية ، والقوّةُ إلى الفقرة الثالثة .
وقوله : ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) لأنّه من آثار ما أُفيض عليه من جانب الله
تعالى ( وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ) لأنّه ( 1 ) من طغيانها بهواه .
وقوله : ( وذاك أنّي أولى بحسناتك منك ) بيان للفرق مع أنّ الكلّ مستند إليه
ومُنْتَه به بالأخرة ، وللعبد في الكلّ مدخل بالترتّب على مشيّته وقواه العقلانيّةِ
والنفسانيّةِ بأنّ ( 2 ) ما يؤدّي إلى الحسنات منها أولى به سبحانه ؛ لأنّه من مقتضيات
خيريّته سبحانه وآثارِه الفائضة من ذلك الجناب بلا مدخليّة للنفوس إلاّ القابليّة لها ،
وما يؤدّي إلى السيّئات منها أولى بالأنفس ؛ لأنّها مَناقصُ من آثار نقصها لا تستند
إلاّ إلى ما فيه منقصة .
وقوله : ( وذاك أنّني لا أُسأل عمّا أفعل وهم يُسألون ) .
بيان لكونه أولى بالحسنات بأنّ ما يصدر ويفاض من الخير المحض من الجهة
الفائضة منه ، لا يسأل عنه ولا يؤاخذ به ؛ فإنّه لا مؤاخذة بالخير الصرف ، وما ينسب
إلى غير الخير المحض ومَن فيه شرّيّة ينبعث منه الشرّ يؤاخذ بالشرّ ، فالشرور وإن
كانت من حيث وجودها منتسبةً إلى خالقها ، فمِن حيث شرّيّتها منتسبةٌ إلى مُنشئها
وأسبابها القريبة المادّيّة ؛ صدق الله العظيم .
هامش
1 . في " خ ، ل " : " لأنّها " .
2 . في " خ " : " لأنّ " .