ولسانَه الناطقَ في خَلْقه ، ويَدَه المبسوطةَ على عباده بالرأفة والرحمة ، ووَجْهَه الذي يُؤْتى
منه ، وبابَه الذي يَدُلُّ عليه ، وخُزَّانَه في سمائه وأرضه ، بنا أثمَرَتِ الأشجارُ وأيْنَعَتِ الثِّمارُ ،
شرح
النفسانيّة ، وقوّانا بالقوى الداعية إلى الخير والصلاح العاملة بفضائل الأعمال المؤدّية
إلى الفلاح ( وجعلنا عينه ) الناظر بها إلى عباده نظرَ الرحمة ، فإنّه بوساطتهم أو
بسببهم ينالهم الرحمة ( ولسانه ) الذي يبيّن به الحقَّ ، ويظهره على عباده ، فإنّه
بوساطتهم يظهر الحقَّ والصلاح على العباد ، ويمتاز عن الضلال والفَساد .
( ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ) التي بها يظهر ( 1 ) آثار الرأفة
والرحمة منه فيهم ( ووجهه الذي يؤتى منه ) فمن لم يأته من ذلك الوجه لا يصل
إليه ، ولا يعرفه حقَّ معرفته ، ولا يعبده حقَّ عبادته ( وبابه الذي يدلّ عليه ) ومن لم
يأته منه لم يعرفه ولم يدخل في منزل المعرفة والعبوديّة ( وخزّانه في سمائه
وأرضه ) حيث عندهم مفاتيح الخير من العلوم والأسماء التي بها ينفتح أبواب الجود
على العالمين .
وقوله : ( بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار ) أي بنا يصل كلّ مخلوق إلى كماله ؛
فإنّ كمالاتِ الإنسان - التي هي المعرفة والعبوديّة - وكمالات كمالاته - التي هي
كون المعرفة والعبوديّة كما ينبغي وعلى ما هي مطلوبةٌ من العباد - إنّما تحصل وتتمّ
بهدايتهم وطاعتهم ، وقال عَزَّ من قائل : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ( 2 ) فلولا
هم ( عليهم السلام ) والهداية بهم لَما خُلقوا ، ولولا خَلَقهم لَما خَلَق ما سواهم ، ولا أعطى لكلّ
خلق منها كمالَه . ويحتمل أن يكون إثمار الأشجار ، وإيناع الأثمار ، وجَرْي الأنهار ،
ونزولُ غيث السماء ، ونبت عشب الأرض كنايةً عن ظهور الكمالات النفسانيّة
والجسمانيّة ، ووصولها إلى غايتها المطلوبة ، وظهور العلوم الواصلة من المعلّم إلى
المتعلّمين ، وفَيَضان العلوم من مبادئها إلى منتهى سلسلة البدو ، واستكماله بما ينجرّ
به إلى العود .
هامش
1 . في " ل " : " تظهر " .
2 . الذاريات ( 51 ) : 56 .