الواحدُ الأحدُ الصمدُ الذي لا يُغَيِّرُهُ صروفُ الأزمانِ ، ولا يَتَكَأَّدُهُ صُنْعُ شئ كانَ ، إنّما
قالَ لما شاء : كُن ، فكان ، ابتَدَعَ ما خَلَقَ بلا مثال سَبَقَ ، ولا تَعَب ولا نَصَب ، وكلُّ صانع شئ
شرح
ولعلّه ( عليه السلام ) أورد " كان " بدل ( 1 ) " يكون " ولم يقل : " كن فيكون " تنبيهاً على تجرّد
صيغة الماضي والمضارع في أمثال هذه البيانات عن الزمان ؛ لتأخّره عن الخلق
والإيجاد بمراتبَ . ابتدع وخلق لا من مادّة ما خلق مخترعاً بلا مثال سبق .
وقوله : ( ولا تعب ولا نصب ) إمّا عطف على قوله : " مثال " و " لا " لتأكيد النفي ،
أو مستأنفٌ و " لا " لنفي الجنس ، أي لا تعب ولا نصب في خلقه للأشياء .
و " التعب " ضدّ الاستراحة و " النصب " الإعياء ، فإنّ التعب والاستراحة إنّما
يكون فيما بالحركة ، والإعياءَ إنّما يكون مع المشقّة وضعف الفاعل ، وهو سبحانه
فعّال بلا حركة ، قويّ قادر على ما يفعله بلا مشقّة ، من غير حاجة إلى آلة
وتحريكها ، كيف وكلّ متحرّك وفاعل بجارحة ومحتاج إلى آلة مخلوقٌ ممكنٌ .
وهو سبحانه مبدأ الممكنات وخالقها ، متعال عمّا يليق بالإمكان من الحاجة في
صنعه بتحريك أو تحرّك .
وكلّ صانع شئ غيره سبحانه فصنعه من شئ ومادّة ينقلها من حالة إلى حالة ؛
لأنّ فاعليّته إنّما هي بسببيّة قريبة بالنسبة إلى تغيّر المادّة من حالة إلى حالة ، لا
بالإيجاد والإيجاب ، وكيف يوجب ويوجد ما يكون عارياً من الوجوب ؛ فإنّ
الوجوب سابق على الوجود ، فوجوبه بالحقيقة صفةُ موجِبِه لا صفتُه ، والوجوب
اللاحق إنّما هو بالنظر إلى اعتبار الوجود معه وبحسب هذا الاعتبار .
والله سبحانه أوجد الأشياء وصنعها بالإيجاب وأمر التكوين لا من شئ ، وكلّ
عالم بالأشياء فمن بَعد جهل وخلوّ عن العلم تعلَّمَ وحصَلَ فيه من غيره ، لكونه غيرَ
عالم بذاته ، وليس مبدأً لانكشاف الغير ؛ لأنّه لا يقتضيه ولا يوجبه ، والله تعالى لم
يجهل ، ولم يخلُ من مبدأ ( 2 ) الانكشاف ؛ فإنّه بإيجابه واقتضائه لما سواه مبدأ
هامش
1 . في " خ ، ل ) : " محلّ " .
2 . في " خ " : " مبدئيّة " .