الأمثالُ ، كَلَّ دونَ صفاته تَحْبِيرُ اللغاتِ ، وضَلَّ هناك تصاريفُ الصفات ، وحارَ في
ملكوته عَمِيقاتُ مذاهبِ التفكيرِ ، وانْقَطَعَ دونَ الرسوخ في علمه جوامعُ التفسيرِ ،
وحالَ دونَ غيبه المكنون حُجُبٌ من الغيوب ، تاهَتْ في أدنى أدانيها طامِحاتُ العقولِ
في لطيفات الأُمورِ .
فتَبارَكَ الله الّذي لا يَبلُغُه بُعْدُ الهِمَمِ ، ولا يَنالُه غَوْصُ الفِطَنِ ، وتَعالى الذي ليس له وقتٌ
معدودٌ ، ولا أجَلٌ ممدودٌ ، ولا نعتٌ محدودٌ ، سبحانَ الذي ليس له أوَّلٌ مُبتَدَأٌ ، ولا غايةٌ
مُنْتَهًى ، ولا آخِرٌ يَفْنى ، سبحانَه ، هو كما وَصَفَ نفسَه ، والواصفونَ لا يَبلُغون نَعْتَه ، وحَدَّ
الأشياءَ كُلَّها عند خَلْقِه إبانَةً لها من شِبهه ، وإبانةً له من شِبهها ، لم يَحْلُل فيها فيقالَ : هو فيها
كائنٌ ، ولم يَنْأ عنها فيقالَ : هو منها بائنٌ ، ولم يَخْلُ منها فيقالَ له : أينَ ، لكنّه سبحانه أحاطَ
شرح
ولعلّ قوله : " ليس له أوّل " إلى قوله : " يفنى " ناظر إلى قوله : " ليس له وقت
معدود ، ولا أجل ممدود " .
ولا يبعد أن يكون قوله : " ولا آخِرٌ يفنى " ناظراً إلى قوله : " ولا نعت محدود "
وما قبله ؛ لأنّ كلّ ما هو محدود لم يكن بعد الخروج عن ذلك الحدّ ، كما أنّ قوله :
" سبحانه هو كما وصف نفسه " ناظر إليه .
وقوله : ( حَدّ الأشياءَ كلَّها ) أي حَدَّها وخَلَقها محدودةً لمباينة الأشياء له
ومفارقتها من شبهه ، ومباينته للأشياء ومفارقته من شبهها من حيث تقدّسه سبحانه
من الحدّ ، وانحصارِ بقعة الإمكان في التحدّد ، ولا أقلَّ بالمهيّات المتحدّدة المتمايزة
بذاتها عمّا يغايرها ، فلم يحلّ في الأشياء ، ولم يقرب منها قرب الحالّ من محلّه ،
وقربَ المتمكّن من مكانه ؛ لما لا بدّ منه من مشاركة الحالّ للمحلّ والمتمكّن
للمكان في صفات توجب المشابهة ، ولم يبعد عن الأشياء بعداً يقابل ذلك القربَ ،
فيقالَ : هو منها بائن بينونةَ المقارنات بعضها من بعض ، ولم يَخْلُ من الأشياء خلوَّ
المحلّ عن الحالّ ، أو المكان من المتمكّن ، فيقالَ له : أين هو منها ، وهذا القول
بالنسبة إلى المكان حقيقي ، وبالنسبة إلى المحلّ توسّعي .