بها علمُه وأتْقَنَها صُنعه وأحصاها حفظُه ، لم يَعْزُبْ عنه خَفِيّاتُ غيوب الهواء ، ولا غَوامِضُ
مكنونِ ظُلَمِ الدُّجى ، ولا ما في السماوات العُلى إلى الأرضين السُفلى ، لكلّ شئ منها
حافظٌ ورقيبٌ ، وكلُّ شئ منها بشئ محيطٌ ، والمحيطُ بما أحاطَ منها .
شرح
وقوله : ( لكنّه سبحانه أحاط بها علمُه ) أي لكنّه قريب من الأشياء بالإحاطة
العلميّة ، وإتقانِ الصنع والإيجاد لها بقرب العلّيّة والمعلوليّة ، وإحصاءِ ( 1 ) حفظه لها ،
وعدِّه إيّاها ، فلا يفوت حفظه شئ منها كما لا يفوت العادَّ شئ من المعدودات
وإدامة إفاضة الوجود عليها ، لم يعزب عنه ما يخفى ويغيب عن غيره ؛ لفقدان شرط
ظهوره على غير خالقه من خفيّات غيوب الهواء ، ولا غوامض مكنون ظُلَم الدُجى ،
ولا ما في السماوات العُلى إلى الأرضين السفلى المخفيّة للبُعد ، أو توسّط الحجب
الكثيفة ، أو اللطافة عن أبصار الناظرين .
قوله : ( لكلّ شئ منها حافظ ورقيب ) .
الظرف خبر لقوله : " حافظ ورقيب " أو متعلّق بقوله : " حافظ " وهو خبر لمبتدأ
محذوف ، والتقدير ؛ هو لكلّ شئ منها حافظ ورقيب .
وقوله : ( وكلّ شئ منها بشئ محيط ) أي كلّ شئ منها محيط بشئ خاصّ منها
إحاطةَ وساطةِ الحفظ والسببيّة ، أو إحاطةَ الاطّلاع ، والمحيط بما أحاط منها كلّ شئ
كلّها وجميعها . أو المراد المحيط بكلّ محيط من هذه الأشياء هو الواحدُ بلا تعدّد ،
الأحَدُ بلا مشارك له في الحقيقة لتعيّنه بحقيقته الأحديّة ، فلا يتعدّد بالأفراد ، ولا
يشاركه غيره في ذاتيّ الصمد المستجمع لجميع كمالاته اللائقة بذاته الأحديّة الذي
لا يتصوّر فيه التغيّر ، ولا تغيّره ( 2 ) تغيّرات الأزمان ، ولا يتصوّر اتّصافه بالتغيّرات
والحركات ولا يتكأّده ولا يشقّ عليه صنعُ شئ من الأشياء كان ، وحصل بتكوينه .
إنّما قال لما شاء وأراد : كن ، فكان وحصل .
هامش
1 . في " خ " : " أحصاها " .
2 . في " خ ، ل " : " لا يغيّره " .