مَلَكَ نِدٌّ ، ولم يَشْرَكْهُ في مُلكه أحدٌ ، الواحدُ الأحدُ الصمدُ ، المبيدُ للأبد ، والوارثُ للأمَدِ ،
الذي لم يَزَلْ ولا يَزالُ وحدانيّاً أزليّاً قبلَ بدء الدُّهور ، وبعدَ صُروف الأُمور ، الّذي لا يَبيدُ
ولا يَنْفَدُ ، بذلك أصِفُ ربّي ، فلا إلهَ إلاّ الله من عظيم ما أعْظَمَه ، ومن جليل ما أجَلَّه ، ومن
عزيز ما أعزَّه ، وتعالى عمّا يقولُ الظالمونَ عُلُوّاً كبيراً " .
وهذه الخطبةُ من مَشهورات خُطَبِه ( عليه السلام ) حتّى لقد ابْتَذَلَها العامّةُ ، وهي كافيةٌ لمن طلب
علمَ التوحيدِ إذا تَدَبَّرَها وفَهِمَ ما فيها ، فلو اجتمع ألسِنَةُ الجنِّ والإنسِ ليس فيها لسانُ نبيٍّ
شرح
وقوله : ( فليس له ممّا خلق ضدّ ) كتلخيص المطلب ببرهانه وبيانه .
وقوله : ( المُبيد ( 1 ) للأبد ) أي الخالق المعطي لوجوده . و " الأبد " ما لا منتهى له من
الزمان أو الدهر . و " الأمد " : هو المنتهى ، فبطل قول الدهري في أنّ المبدأ هو الدهر ؛
لكونه في الطرف المتأخّر متجدّداً ، والتجدّد مستلزم للحدوث ، وكلُّ ما يحدث
بتمامه أو ببعضه ممكن محتاج إلى موجد موجب ، فله مبدأ ، فكيف يكون مبدأً على
الإطلاق ؟ ! وأمّا من ( 2 ) الطرف المتقدّم فله نهايات وهو منقض عندها ، والمبدأ
للممكنات واجب الوجود بذاته الذي يستحيل العدم والانقضاءُ فيه ، فهو وارث كلّ
منقض ، فهو الوارث للأمد ، وهو الذي لم يزل ولا يزال ، وحدانيّاً لا يصلح للانقسام ( 3 )
والتجزّي ، أزليّاً لا بداية له بالدخول ( 4 ) في الدهر والزمان غير المتناهي ، بل قبل وجود
الدهر وبعد تغييرات الأُمور ومرّ الأزمان والدهور .
هامش
1 . في حاشية " ت ، م " : " المبيد " اسم فاعل من أَبادَ يبيدُ من باب الإفعال من بادَ ، بمعنى ذهب وانقطع . والهمزة
للإزالة ، أي مزيل بطلانه وذهابه وانقطاعه بإعطاء وجوده وإبقائه فهو خالقه ومبقيه ، ويمكن أن يحمل الإبادة
على الإذهاب ، أي المذهب لما لا ينتهي من الزمان أو الدهر ، فإنّه في الذهاب دائماً ، وهو سبحانه مذهبه كما أنّه
مجدّده ( منه ) . وفي حاشية " خ " : الظاهر " المؤبّد " وإن كان رسم الخطّ لا يساعده ( لراقمه خليل ) .
2 . في " ل " : " على " .
3 . في حاشية " ت " : وتفسير " وحدانياً " بهذا المعنى لأنّ قوله : " المبيد للأبد " ردّ على الدهري ، والدهر والزمان
ينقسمان . وقوله : " ولم يزل ولا يزال وحدانياً " مناسب لهذا المعنى في هذا المقام .
4 . في " خ ، ل ، م " : " لا بالدخول " .