فمِن شئ صَنَعَ ، والله لا مِن شئ صَنَعَ ما خَلَقَ ، وكلُّ عالم فمِن بَعْدِ جَهل تَعَلَّمَ ، والله لم يَجْهَلْ
ولم يَتَعَلَّمْ ، أحاطَ بالأشياء علماً قبلَ كونها ، فلم يَزْدَدْ بكونِها علماً ، عِلْمُه بها قبلَ أن يُكَوِّنَها
كعِلْمه بعد تكوينها ، لم يُكَوِّنْها لتشديد سلطان ولا خوف من زوال ولا نُقصان ، ولا استعانة
على ضدٍّ مُناو ، ولا ندٍّ مُكاثِر ، ولا شريك مُكابِر ، لكن خلائقُ مربوبونَ ، وعبادٌ داخِرونَ .
فسبحانَ الذي لا يؤوده خلقُ ما ابتدأ ، ولا تدبيرُ ما بَرَأ ، ولا مِن عَجْز ولا مِن فَتْرَة بما
خَلَقَ اكتفى ، عَلِمَ ما خَلَقَ ، وخَلَقَ ما عَلِمَ ، لا بالتفكير في علم حادِث أصابَ ما خَلَقَ ،
شرح
لانكشافها ، ولم يحصل فيه العلم من غيره ؛ حيث لا يخلو عن مبدأ الانكشاف بذاته .
وحيث لا عالم بالذات غيرُه ، وكلّ عالم ينتهي علمه إلى علمه سبحانه ، أحاطَ
بالأشياء علماً قبل كونها ، فلم يزدَدْ بكونها وحضورها العينيّ علماً بها ، عِلْمُه بها قبل
تكوينها وبعد التكوين سواء ، لم يكوّنها سبحانه لتشديد سلطان واستحكام السلطنة ،
ولا لخوف من زوال سلطانه ، أو نقصانه ، ولا للاستعانة على ضدٍّ مناو يعاديه ، ولا ندٍّ
ومثل معارض مقاوم يكاثره ويغالبه بالكثرة ، ولا شريك مكابر يعارضه بالكبر ، أو
الإنكار للحقّ الظاهر ، لكن كلّ ما يغايره سبحانه خلائق مربوبون ، وعبادٌ داخرون ،
أذِلاّء صاغرون ، فسبحان الذي لا يؤوده ولا يثقل عليه خلق ما ابتدأ بخلقه في تفرّده
وتوحدّه سبحانه قبل حصول الكثرة ، ولا تدبير كلّ ما برأ وخلق ، ولا من عجز ولا
فترة وضعف اكتفى بما خلق .
وقوله : ( علم ما خلق ، وخلق ما علم ) أي كلّ مخلوقاته معلوماتُه بعلمه بالخير
والنظام الأعلى ، وكلُّ معلوماته بذلك العلم مخلوقاتُه ، فعلمه بالأشياء على وجه
الصلاح والخيريّة هو الداعي إلى وجود الأشياء ، فكلّ مخلوقاته داخل في هذا العلم ،
وكلّ معلوم بهذا العلم داخل في الوجود ، فما لم يدخل في الوجود لعدم الداعي إلى
وجوده ، فالاكتفاء بما خلق عمّا لا يخلق للداعي على ما خلق ، ولعدم الداعي على
غيرها ، لا لعجز ولا لضعف ، لا بالتفكير ( 1 ) في علم حادث أصاب ما خلق ، بل بالمشيّة
هامش
1 . في " خ " : " لا بالتفكّر " .