والحسن بن عليّ بن عثمان ، عن ابن سنان قال : سألت أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) : هل كانَ اللهُ
- عزَّ وجلَّ - عارِفاً بنفسه قبل أن يَخْلُقَ الخلقَ ؟ قال : " نعم " ؛ قلتُ : يَراها ويَسمَعُها ؟ قال :
" ما كانَ محتاجاً إلى ذلك ؛ لأنّه لم يَكُنْ يسألُها ولا يَطلُبُ منها ، هو نفسُه ونفسُه هو ،
قدرتُه نافذةٌ ، فليس يَحتاجُ أن يُسَمِّيَ نفسَه ، ولكنَّه اختارَ لنفسه أسماءً لغيره يَدعُوهُ بها ؛
شرح
قوله : ( قلت يراها ويسمعها ) .
لمّا زعم السائل أنّ المعرفة بالإدراك الجزئي كالرؤية والاسمِ الخاصّ ، وأنّ
الخلق يذكر اسمه سبحانه ، فإذا كان عارفاً بنفسه قبل الخلق ، كان يرى نفسه قبل
الخلق ، وإذا كان عارفاً بنفسه قبل الخلق وكان خلقه يذكر اسمه ، كان يسمّي نفسَه
قبل الخلق ويسمعها بذكر اسمه ، سأله عمّا كان يزعمه بقوله : " يراها ويسمعها ( 1 ) " .
ولا يبعد أن يكون مكانَ " يسمعها " " يسمّيها " وإن لم يوجد في النسخ التي
وصلت إلينا .
فأجاب ( عليه السلام ) بقوله : ( ما كان محتاجاً إلى ذلك ) أي إلى رؤية نفسه في معرفته قبل
أن يخلق الخلق ، ولا إلى تسمية نفسه والاستعانة بالاسم في معرفته وفي خلقهم
فيسمعها ؛ لأنّ الرؤية تقتضي المغايرة بين المدرك والمدرك ، وإنّما يحتاج إليها في
المعرفة مع المغايرة . وأمّا عند عدم المغايرة فلا يحتاج إلى الرؤية في المعرفة ، ولم
يتعرّض لصحّة رؤيته لنفسه وعدمها صريحاً ، بل اكتفى بقوله : ( هو نفسه ونفسه هو )
ولأنّ الاستعانة بالاسم إنما يحتاج إليها مَن يفتقر إلى الطلب من غيره ، وهو نافذ
القدرة لا يحتاج إلى أن يسمّي نفسَه وأن يستعين بالاسم . وأمّا الطلب من نفسه
بالتسمية ، فلا يصحّ ولو فرض صحّته فلا يحتاج إليه للخلق .
ولمّا كان مظنّة أن يسأل عن حكمة اختياره الاسمَ لنفسه مع كونه غيرَ محتاج إليه
في المعرفة وفي الخلق ، استدركه ( عليه السلام ) بقوله : ( ولكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه
هامش
1 . في حاشية " ت ، م " : الظاهر أنّه " يسمعها " من المجرّد ، ويحتمل أن يكون من باب الإفعال . والأوّل أنسب بقوله :
" يراها " فحمله عليه ( منه ) .