الجملة : أنّك تُثْبِتُ في الوجود ما يُريدُ وما لا يُريدُ ، وما يَرضاه وما يسْخطُه ، وما يُحِبُّ وما
يُبْغِضُ ، فلو كانت الإرادةُ من صفات الذات - مثل العلم والقدرة - كانَ ما لا يُريدُ ناقضاً
لتلك الصفةِ ، ولو كانَ ما يُحِبُّ من صفاتِ الذاتِ كانَ ما يُبغِضُ ناقضاً لتلك الصفةِ ، ألا ترى
أنّا لا نَجِدُ في الوجود ما لا يَعلَمُ وما لا يَقدِرُ عليه ، وكذلك صفاتُ ذاتِهِ الأزليّ لسنا نَصِفُه
بقدرة وعجز وعلم وجهل وسَفَه وحِكْمَة وخطاء وعزٍّ وذلّة ، ويَجوزُ أن يقالَ : يُحِبُّ مَن
أطاعَه ويُبغِضُ من عصاه ، ويُوالي من أطاعَه ، ويُعادي من عَصاه ، وإنّه يرضا ويَسخَطُ ،
ويقال في الدعاء : اللّهمَّ ارْضَ عنّي ولا تَسْخَطْ علَيَّ وتَوَلَّني ولا تُعادِني ؛ ولا يجوز أن
يقال : يقدر أن يَعلَمَ ولا يَقْدِرُ أن لا يَعلَمَ ، ويَقدِرُ أن يَملِكُ ولا يَقدِرُ أن لا يَملِكَ ، ويقدر
شرح
وأيضاً لا ينافي كونُها من صفات الفعل كونَها من الصفات الحقيقيّة ، فلا يلزم من
الحكم بكونها من صفات الفعل كونُها خارجةً عن الصفات الحقيقيّة ، ومِن عَدِّها في
الصفات الحقيقية الحكمُ بخروجها عن صفات الفعل .
وأيضاً لا ينافي كونُها من صفات الفعل نفيَ المعاني والصفات الزائدة عيناً ؛ فإنّه
لا يلزم من كونها صفةَ الفعل كونُها معنى قائماً بالذات ، حالاّ فيه ولا صفةً زائدة
عينيّة ، كما لا يخفى .
قوله : ( ولا يقدر أن لا يعلم ) .
يحتمل أن يكون كلمة " لا " في قوله : " لا يقدر أن لا يعلم " مؤكّدةً للنفي ويكونَ
المعنى : لا يجوز أن يقال : يقدر أن لا يعلم ، كما لا يجوز أن يقال : يقدر أن يعلم .
ويؤيّده ترك كلمة " لا " في قوله : " ويقدر أن لا يكون جواداً " وفي قوله : " يقدر
أن لا يكون غفوراً " على أظهر الاحتمالين فيهما .
ويحتمل أن يكون كلمة " لا " في قوله : " ولا يقدر أن لا يعلم " من مقول القول
الذي لا يجوز . وتوجيهه أنّ القدرة لا تنسب إلاّ إلى الفعل نفياً أو إثباتاً ، فيقال :
يقدر أن يفعل أو يقدر أن لا يفعل ، ولا تنسب إلى ما لا يعتبر الفعل فيه لا إثباتاً
ولا نفياً ، فما يكون من صفات الذات التي لا شائبة للفعل فيها ، كالعلم والقدرة