إنشاءً ، ومُبتَدِعُها ابتداعاً بقدرته وحكمته ، لا من شيء فَيَبْطُلَ الاختراعُ ، ولا لعلّة فلا يَصِحَّ
الابتداعُ ، خَلَقَ ما شاءَ كيفَ شاءَ ، متوحِّداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقةِ ربوبيّتِه ، لا تَضْبِطُهُ
العقولُ ، ولا تَبْلُغُهُ الأوهامُ ، ولا تُدْرِكُه الأبصارُ ، ولا يُحيطُ به مقدارٌ ، عَجَزَتْ دونَه العبارةُ ،
شرح
قوله : ( فاطر الأشياء إنشاء ) أي مبتدأها ابتداءً ، والابتداعُ : الإيجاد لا من مادّة .
قوله : ( بقدرته وحكمته ) متعلّق بالابتداع ، أو به وبالفطر والإنشاء .
وقوله : ( لا من شيء فيبطلَ الاختراع ) ناظر إلى قوله : " فاطر الأشياء " يعني لا
بالأخذ من شيء وعلى مثاله وشاكلته ، وهو المَعْنِيُّ بالاختراع ، ولو كان مجعولا على
شاكلة مثاله وشبهه مأخوذاً عنه لم يكن مخترعاً .
وقوله : ( ولا لعلّة فلا يصحَّ الابتداع ) ناظر إلى قوله : " مبتدعها " يعني لا بأن
يجعلها لمادّة كالصور المادّية ؛ فإنّ من الأشياء ما يفارق المادّةَ ، والمفارقاتُ والمادّةُ
بمقارناتها مجعولةٌ لا لمادّة ، ولو كان مجعوله مجعولا لمادّة وفيها ، لم يكن سبحانه
مبتدعاً له ؛ فإنّ الابتداع جعل الشيء الذي يكون أوّلا لا لمادّة يكون فيها .
وقوله : ( خلق ما شاء كيف شاء ) أي خلق الأشياء بمشيّته بصفات وحدود منبعثة
عن المشيّة ، لا مأخوذة عن مثال سابق .
وقوله : ( متوحّداً بذلك ) أي خلقها حال انفراده من غير مشاركة الغير له في
الخالقيّة بخلق شيء انفراداً أو انضماماً .
وقوله : ( لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيّته ) متعلّق بفَطْر الأشياء وابتداعها . والمراد
بالحكمة كمال العلم ، وبحقيقة الربوبيّة مُثْبِتُها ومُبَيِّنُها كما هي له ، على ما هي له .
ولمّا فرغ عمّا يتعلّق بتوحّده بأفعاله ومعرفته بذلك ، أشار إلى معرفته بالسلوب
بقوله : ( لا يضبطه ( 1 ) العقول ) أي لا تحيط به إحاطةً إدراكيّة يتحدّد فيها حقيقتُه وإن
كانت تعرفه نحو معرفة ( 2 ) ( ولا تبلغه الأوهام ) أي لا تصل الأوهام إلى معرفته ؛
لقصورها عن البلوغ إليه . ( ولا تدركها ( 3 ) الأبصار ) ظاهريةً كانت أو باطنيّة ، لتعاليه
هامش
1 . في " ل " والكافي المطبوع : " لا تضبطه " .
2 . في " خ ، ل " : " معرفته " .
3 . كذا في النسخ ، والصحيح كما في الكافي المطبوع : " ولا تدركه " .