يُدْرِكُ الأبصارَ ، وهو اللطيفُ الخبيرُ ، ولا يوصَفُ بكيف ولا أين وحَيث ، وكيفَ أصِفُه
بالكَيْفِ وهو الذي كَيَّفَ الكيفَ حتّى صارَ كيفاً ، فعُرِفَتِ الكيفُ بما كَيَّفَ لنا من الكيفِ ،
أم كيف أصِفُهُ بأين ! وهو الذي أيَّنَ الأينَ حتّى صارَ أيناً ، فَعُرِفَتِ الأينُ بما أيَّنَ لنا من
الأين ، أم كيفَ أصِفُه بحيث ! وهو الذي حَيَّثَ الحَيْثَ حتّى صارَ حيثاً ، فَعُرِفَتِ الحيثُ بما
حَيَّثَ لنا من الحيثِ ، فاللهُ - تبارك وتعالى - داخِلٌ في كلِّ مكان ، وخارجٌ من كلّ شيء ،
شرح
قوله : ( وكيف أصفه بالكيف وهو الذي كيّف الكيف ) أي هو موجد الكيف
ومحقّق حقيقته في موضوعه حتّى صار كيفاً له ، فعرفت الكيف بما أوجده فينا
وجعله حالا لنا من الكيف ، فالمعلوم لنا من الكيف ما نجده فينا منه وأمثالها ( 1 ) ، ولا
نعرف كيفاً سوى أنواع هذه المقولة التي نجدها من حقائق صفاتنا وطبائعها ، والله
سبحانه أجلُّ من أن يوصف بها بالاتّحاد ، أو القيام والحلول .
وكذا الكلام في الأين ، والمراد به كون الشيء في المكان ، أو الهيئة الحاصلة
للمتمكّن باعتبار كونه في المكان ، وهو أيضاً ممّا أوجده سبحانه ، وحقّق حقيقته
في موضوعه ، حتّى صار أيناً له ، فعرفت الأين بما أوجده فينا وجعله حالا لنا من
الأين ، فالمعلوم لنا من الأين ما نجده فينا ، وما هو من هذه المقولة من جنس حقائق
صفاتنا وطبائعها ( 2 ) ، والله سبحانه أجلُّ من أن يوصف بها .
وكذا الكلام في " حيث " وهو اسم للمكان للشيء ، والله سبحانه موجده ومحقّقُ
حقيقته وجاعله مكاناً للتمكّن فيه ، فعرفت الحيث بما أوجده مكاناً لنا ، فالمعلوم لنا
من الحيث ما نجده مكاناً لنا وما هو من جنس حقيقته وطبيعته ، والله سبحانه أجلُّ
من أن يوصف بها ، وبسائر ما لا يفارق الإمكان .
قوله : ( فالله تعالى داخل في كلّ مكان ) أي حاضر بالحضور العقلي غير غائب ،
فلا يعزب عنه المكان ، ولا المتمكّن فيه ، ولا يخلو عنه مكان بأن لا يحضره
بالحضور العقلي والشهود العملي ، وأمّا الدخول كما للمتمكّن في المكان أو للجزء
العقلي أو الخارجي في الكلّ ، فهو سبحانه منزّه عنه ، وخارج من كلّ شيء .
هامش
1 . في " خ " وحاشية " ل " : " أمثاله " .
2 . في " ل " : " طبائعنا " .