هذا الجاهلِ المتحيّرِ في جهله ، وكلاهما حائرٌ بائرٌ ، لا تَرتابوا فَتَشُكّوا ، ولا تَشُكّوا فتَكْفُروا ،
شرح
وقوله : ( وكلاهما حائر بائر ) البائر : الهالك .
قوله : ( لا ترتابوا فتشكّوا ) . ( 1 )
الرَيْب مصدر رابَني الشيءُ : إذا حصّل فيك الرِيبةَ . والريب في الأصل تحصيل
الرِيبة والإيصال إليها والإيقاع فيها . وحقيقة الرِيبة قلق النفس واضطرابها .
ومنه حديث الحسن بن أمير المؤمنين ( عليهما السلام ) قال : " سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول :
" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإنّ الشكّ رِيبة ، والصدقَ طمأنينة " . ( 2 )
والارتياب : الوصول إلى الرِيبة والوقوع فيها ، أو اتّخاذُ الريب بالمعنى المذكور .
وليس الريب في هذا الحديث مستعملا في الشكّ أو التهمة أو غيرهما من لوازم
معناه الأصلي ، أو ملزوماته التي شاع استعماله فيها .
والمراد لا توقعوا أنفسكم في القلق والاضطراب بالتوغّل في الشبهات ، أو
بمعارضة العلم في مقتضاه من العمل فينتهي أمركم إلى أن تشكّوا في المعلوم
والمتيقّن لكم .
وقوله : ( ولا تشكّوا ) أي لا توقعوا أنفسكم في الشكّ واحذروا من طَرَيانه على العلم
( فتكفروا ) ( 3 ) أي يوصلكم إلى الكفر وينتهي إلى الشكّ فيما يكون الشكّ فيه كفراً .
هامش
1 . في حاشية " م " : يعني أنّ الطلب في العلوم المتيقّن لكراهيته عنه يكثر التعمّق في الرأي ، وكثرة الخصومات فيه
تورث الشكّ في ذلك المعلوم ، كما في قوله تعالى : ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) [ هود ( 11 ) : 28 ] كما
سيجيء في باب النهي عن الكلام في الكيفية من قوله : " وإيّاك والخصومات ، فإنّها تورث الشك " . [ الكافي ج
1 ، ص 92 ، ح 4 ] .
2 . كشف الغمّة ، ج 1 ، ص 535 ، في ذكر إمامته وبيعته ؛ بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 214 ، باب ما لا ينبغي مجالسته
ومصادقته ، ذيل ح 47 وفيهما : " فإنّ الكذب ريبة " .
3 . في حاشية " م " : قوله ( عليه السلام ) : " فتكفروا . . . " إمّا الكفر الحقيقي كما لو أدّى الشكّ إلى ما يقتضيه ، أو الكفر المنافي
لكمال الإيمان كما هو كثير متعارف ، أو الشامل لهما باعتبار ما يصدق عليهما بالتواطؤ والتشكيك ، وصرف كلّ
إلى ما يناسبه .