وإنَّ أشدَّ أهلِ النار نَدامةً وحسرةً رجلٌ دعا عبداً إلى الله ، فاستجاب له وقَبِلَ منه ، فأطاع
الله ، فأدخَلَه اللهُ الجنّةَ وأدخَلَ الدَّاعِيَ النارَ بتَرْكه علمَه ، واتّباعِهِ الهوى وطولِ الأمل ، أمّا
اتّباعُ الهوى فيَصُدُّ عن الحقّ ، وطولُ الأمل يُنسي الآخرةَ " .
شرح
بمقتضى علمه ولم يتّبعه ، بل اتّبع الهوى .
وقوله : ( وإنّ أشدّ أهل النار ندامة ( 1 ) وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله ( 2 ) فاستجاب
له ) أي وقع الاستجابة والقبول عقيبَ دعوته ، وترتّب ( 3 ) على استجابته وقبوله
الإطاعةُ لله والعمل ، فبدعوته إلى الإيمان آمن ، وبإيمانه أطاع ؛ حيث دلّته معرفته
الكاملة المستقرّة على العمل ، وأوصلته ( 4 ) إليه ، والداعي لم يوجب إيمانه الإطاعةَ
ومعرفته الوصولَ إلى العمل ؛ لغلبة الهوى فاتّبعه وترك العلم .
وقوله : ( أمّا اتّباع الهوى ( 5 ) فيصدّ عن الحقّ ) أي علماً كان أو عملا ، فهو من موانع
تناول الحقّ ( وطول الأمل ينسي الآخرة ) فهو موجب لعدم تذكّر الآخرة المقتضي
للعمل ، فاتّباع الهوى مانع ، وطول الأمل موجب لرفع المقتضي .
ويمكن أن يكون " ينسئ " من الإنساء مهموز اللام ، أي يؤخّر العمل للآخرة ،
فحذف العمل وأُسند الفعل إلى الآخرة ، فطويل الأمل لظنّه البقاء يؤخّر العمل
هامش
1 . في حاشية " م " : وجه زيادة الندامة والحسرة أنّه قد أتى بما يوجب الندامة ، وهو ترك العمل واتّباع الهوى
وطول الأمل ، ويرى مع ذلك من كان هو السبب في إدخاله الجنّة بتعليمه إيّاه وقبوله منه ودخوله الجنّة ، فتزيد
ندامته وحسرته ؛ من حيث دخوله الجنّة بسبب ما اكتسبت منه ، ودخوله النار مع كونه راعياً ومعلّماً ؛ بسبب تركه
ما علّمه غيره ، واتّباعه هواه وطول أمله .
2 . في " م " : + " تعالى " .
3 . في " خ " : " يترتّب " .
4 . في " م " : " أو وصلته " .
5 . في حاشية " خ " : " اتّباع الهوى " أي الحركة للدواعي الباطلة تصدّ عن اتّباع الدواعي الحقّة ؛ لأنّ إحدى
الجزءين المتضادّين مانعة عن الأُخرى ، " وطول الأمل " أي تخيّل حصول المرافق الدنيويّة على سبيل الأمانيّ
يجلب القلب إليها ، ويمنع تخيّل حصول المرافق الأُخروية في ميل القلب إليها لمثل ما ذكر . والحاصل أنّ بين
الجزءين وبين مبدئهما تضادّاً يمنع كلّ واحد منهما من الآخر ، فلا تكثر في طول الأمل وتخيّل حصول
المشتهيات لأنّها مانعة عن تخيّل المراتب الأُخرويّة .