شرح
هناك ، وذلك لعدم استقرارها وتمكّنها في القلب ، فالمعرفة المتعلّقة بالمبدأ وصفاته
والرسالة والوصاية متى فارقها الإقرار باللسان وما في حكمه لا يعتدّ بها ، ولا تكون
إيماناً ، وكذا المعرفة المتعلّقة بعمل ، إن كان من المتيقّن ثبوته من الشريعة ،
كالضروريّات الدينيّة ، إن فارقها الإقرار لا يعتدّ بها ، ولم يكن ( 1 ) تلك المعرفة من
الإيمان ، ولذا يحكم بكفر منكر ضروريّ الدين وإن كان عارفاً به .
وأمّا الظنّيّات من الفروع فالاعتقاد بها ومعرفتُها الظنّيّة ليست من الإيمان ، إنّما
المعتبر في الإيمان الاعتقاد والتصديق بجميع ما جاء به النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عموماً بهذا العنوان
وخصوصاً في المتيقّن ثبوته شرعاً كالضروريّات عند ملاحظتها ، فإنكارها وإن لم
يُخرج من الإيمان ، لكن هذه المعرفة الظنّيّة فائدتها الإقرار والعمل ، فبعدمهما يكون
وجودها كعدمها ، فلا تكون مقبولة ولا معدودة في المعرفة ، بل وجودها أسوأ من
عدمها ؛ لغلبة شرّيّة النفاق والخلاف بين الباطن والظاهر ، أو القول والفعل ،
وتكذيب كلّ منهما الآخَرَ على خيريّتها .
وقوله : ( فمن عرف دلّته المعرفة على العمل ، ومن لم يعمل فلا معرفة له )
تفصيل وتبيين لما ذكر قبله إجمالا ، والمراد أنّ المعرفة من شأنها الدلالة والإيصال
إلى العمل ، والعمل من آثارها المترتّبة عليها ؛ ومَن لم يترتّب أثر المعرفة على ما
فيه ويظنّه معرفة ، فإمّا لعدم كونه معرفةً في ذاته ، أو لعدم كونه معرفة له ، أي ثابتة
مؤكّدةَ الثبوت له ، ظاهرةً فيه ، غالبةً على أضدادها ، فالحالة الحاصلة في الشخص -
من اجتماع ما للقلب والقوّة العقليّة ، وما للقوى الخياليّة والوهميّة ، وما للقوى
الشهوانيّة والغضبيّة - لا كماليّةٌ ولا معدودة معرفةً ، كالمركّب من المسك
والقاذورات لا يشمّ منه إلاّ المركّب من كيفيّتهما وهو النتن ، لا الطيب ، فلا يقال
لرائحة المسلك المخلوطة بنتن القاذورات والجيف عند الاختلاط والاضمحلال في
كيفيتها : عَرفاً وريحاً طيباً ، ولا يكون مستعمل المسك على هذا النحو مستعملا
هامش
1 . في " خ " : " لم تكن " .