شرح
الغرض منها الهداية وليس المقصود بها الاشتهار للمخالف والمؤالف ، لأنّها محفوظة مصونة
مكتومة عن غير أربابها ، فما الضرورة الّتي أوجبت هذا الاختلاف والتقيّة وتدوين كلّ ذلك في
تلك الأُصول الّتي ليست مكشوفة للاطّلاع عليها للبعيد والقريب ، وحكمها حكم الآثار والدعوات
المنقولة عنهم ليس فيها من الاختلاف والتقيّة ما في الأحاديث ، مع أنّ تجريد الحديث عمّا يوجب
الشبهة والحيرة أتمّ من تجريد الدعوات والآثار الواردة عنهم في غير التكاليف الواجبة . فلو كانت
تلك الأُصول كلّها صحيحة لم يجوّز العقل فيها وقوع هذا الاختلاف . هذا ، مع أنّ النقل والاعتبار
يقضي بأنّه لا موجب للتقيّة في تدوين أحاديثها في تلك الأُصول بوجه من الوجوه ، لأنّه ما من
حديث للتقيّة إلاّ وبإزائه حديث أو أحاديث مخالفة له واردة على الصحيح من مذهب الشيعة ،
فكيف يجامع ذلك إرادة التقيّة بتدوينها في الأُصول الّتي غايتها والمقصود بها هداية الشيعة وحفظ
أحكام مذهب الحقّ ؟ وخصوصاً مع دعوى المصنّف بأنّ أكثرها بأمر الأئمّة ( عليهم السلام ) وأنّها كتبت بين
أيديهم ولم ينبّهوا على الموافق منها والمخالف . وما السبب في إدخال أحكام العامّة الباطلة فيها
الموجبة للحيرة والاشتباه بغير ضرورة ولا فائدة ؟ في كلّ ذلك دليل على أنّ أغلب هذه الأحاديث
المخالفة للمذهب إمّا مدخولة في الحديث من أهل الشقاق - كما نقل من صريح كلام بعضهم
ذلك - وإمّا أنّ الراوي سمع الحديث ولم يعلم ما يخالفه من الموافق للمذهب فأثبته كما سمعه ،
واختلطت الأحاديث ، ولم يتيسّر لها في زمانهم ( عليهم السلام ) من تميزها بسواء لهم ولا أصحاب الأُصول
التقوا إلى ذلك ( 1 ) إن صحّ أنّها مدوّنة في أُصولهم ، وذلك بعيد عنهم لجلالتهم عن ذلك ، خصوصاً
مع كون بعضها في زمن الأئمة وإمكان استعلام الحال فيها .
وكأنّ المصنّف لم يكن في حال اليقظة لمّا نظر إلى كتاب الاستبصار ! وهذا الاختلاف الواقع
بين الأحاديث والأكثر موافق لمذاهب العامّة وليس للجمع بين أغلبها سبيل إلاّ أن كان بنهاية
البُعد وعدم المناسبة ، وبعضها لم يكن فيه إلاّ الردّ والقطع من الشيخ ( رحمه الله ) بعدم صحّته . فما كان
اهتمام الأئمّة ( عليهم السلام ) إلاّ بالمخالفين حتّى أمروا أصحابهم بتدوين مذاهبهم في الأُصول المراد منها
هداية الشيعة ؛ على أنّ العقل والضرورة تقضي بأنّ تلك الأُصول لو كانت كلّها كلام الأئمّة ( عليهم السلام )
وصحيحة عنهم ما جاز فيها اختلاف حديث ولا تقيّة ، لأنّه ورد عنهم ( عليهم السلام ) : " إنّ كلام الابن هو
هامش
( 1 ) العبارة من قوله : " ولم يتيسّر . . . " إلى هنا مغلوطة أو مصحّفة .