أنّهم ( عليهم السلام ) في مدّة طويلة تزيد على ثلاثمائة سنة أظهروا دين جدّهم - صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم - عند جمع كثير وجمّ غفير من الأفاضل الثقات المحقّقين
يزيدون على خمسة آلاف رجل ، وأمروهم بأن يكتبوا بين أيديهم ما يسمعونه
منهم ( عليهم السلام ) لتعمل بها الشيعة - لا سيّما في زمن الغيبة الكبرى - ولئلاّ تحتاج إلى
سلوك ما سلكته العامّة من الاستنباطات الظنّيّة ، فألّفوا بأمرهم ( عليهم السلام ) أُصولا كثيرة
كانت بخطّ تلك الأفاضل الثقات وبإملائهم ( عليهم السلام ) . ومن جملتها : تقريرهم ( عليهم السلام ) في تلك
المدّة الطويلة أصحابنا على الاعتماد على تلك الأُصول في عقائدهم وأعمالهم بل
تصريحهم ( عليهم السلام ) بذلك .
شرح
الكلام على غير المراد منه وعدم معرفة صحّة الحديث وضعفه ، فكيف يليق من الإمام ( عليه السلام ) إطلاق
حكمه للناس في كلّ ما يسألونه عنه ؟ ومتى يتيسّر لأحد أن يعلم حكم جميع ما يُسأل عنه في
زمانهم بطريق العلم والقطع ؟ من غير احتياج إلى مراجعتهم ( عليهم السلام ) لولا توسعة الحال عليهم
وعلمهم ( عليهم السلام ) بأنّ حال من أشاروا إليهم بالفضل والمعرفة قابل لمعرفة أحكامهم بالنصّ
والاستنباط بحيث لا يخرجون في فتواهم عن أُصولهم ( عليهم السلام ) . وإذا جاز هذا الإطلاق في زمانهم
لأهل المعرفة والفضل مع إمكان الوصول إليهم ( عليهم السلام ) ولو بالوسائط ، فمع تعذّر ذلك يكون إذنهم
لأهل الفضل والورع والاجتهاد الّذي يؤمن معه الوقوع في الخطأ وجهالة محاذير ( 1 ) صحّة
الأحاديث بالطريق الأولى . والعجب كلّ العجب ! من تصوّر المصنّف بطلان الاجتهاد والتقليد
وإمكان كلّ مكلّف أن يعلم بنفسه حكم مسألة من الأحاديث بالقطع والجزم ، والفرض أنّ
المجتهد مع علمه ومعرفته واطّلاعه على ما يحتمل فيه الخطأ في الحديث وما لا يحتمل ، هيهات
أن يمكنه تحصيل العلم والقطع في بعضها ! فكيف الجاهل الّذي لا يعرف دلالة لفظ الحديث
وحقيقته من مجازه وفاعله من مفعوله وعامّه من خاصّه وصحيحه من سقيمه ، من أين يعلم أنّ
هذا حكم الأئمّة ( عليهم السلام ) وقولهم في كلّ مسألة يريدها ؟ وهل يخفى امتناع ذلك على عاقل ؟ فكيف
يفعل غير المجتهد في الاختلاف الواقع في غالب الأحكام الّتي قد أعجز العلماء العظماء الجمع
بينها ؟ ومن أين يعرف ترجيح البعض على البعض حتّى يستفيد حكم مسألته بالعلم والقطع ؟
هامش
( 1 ) في نسخة : " معاذير " وعلى كلّ منهما لا يستقيم المعنى .