تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
أمير المؤمنين أيده الله تعالى وكريم عنصره وطيب جوهره ، شاد له ما شرف بناؤه وزهر بهاؤه ، فلم يأل أن زاد بناء ونماء وعلوا وبهاء باللين في رعيته ، والعدل في سيرته ، والبذل في فضله ، والتوفيق من عدله ، والكرم من شيمته ، والصدق من ضريبته ، والحق من رأيه ، والمن من آلائه ، والعفو عن العثرة والحلم بعد البدرة ، ثم إنني كنت أيد الله أمير المؤمنين تهت في حيرة ، وتحيرت في غمرة ، زين لي خطلها ، واستفزني أملها ( 1 ) ، وعشيتني أمورها ، وغرتني غرورها ، أسار بي غاويها ، وهتف بي داعيها ، فأجبت إلى الضلالة ، وتسكعت في الجهالة ، حيران حائرا عن الحق ، نافرا قائلا بغير الصدق ، ملتبا بالعمر ، خابطا في الظلمة ، جائزا عن الرشدة ، متأملا بغير فهم ، ناظرا إلى غير علم ، حتى إذا انجلت عني غياهبها بعد اسمدرار ناظري إليها ، وانقشع لي سحابها عن طمع رجائي فيها ، سئمت حياء العدى من أمير المؤمنين الذي أثبت الله به وبآبائه أركان الاسلام ، وقوم به وبهم دعائم الأيام ، فصادفت عز وجوده على منهمره ، وثمار أفنان رأفته على مهتدله ، وفي ذلك أقول : ما أبالي إذا لقيت هشاما * وبنيه قبيلة والدبيرا البسوا العدل والسكنية * والحلم ثيابا فلن أراها نحورا قال : فتبسم هشام لفصاحة الكميت ولما أتى به في ذلك الوقت من هذا الكلام . ثم قال : كيف أمنتني يا كميت وقد قلت ما قلت ؟ فقال : إن شئتم أمير المؤمنين أيده الله أمنتني من سطوته ، ورفع من قدري ما كان خاملا بمشافهته ، وربط من ج أشي ما كان منحلا بمخاطبته ، وكرمه أطمعني في عفوه وأطلق لساني بعد كعمه ، ثم قال : عائب ( 2 ) ومذنب تاب فمحا باليقين ( 3 ) ذنبه وبالصدق كذبه . فالتوبة قبل الحوبة ، والصفح بعد القدرة . قال هشام : وما الذي ( 4 ) أفلتك من مخالب القسري وقد أسهرت ليله وأطلت فكره ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! أفلتني منه صدق النية في التوبة ، فتاب عن صفاحي مناسمه ، أو غشي عن عيون حرسه حتى طلقت من وثاقه . وخرجت خروج القدح من محبسي على رغم أنفه ، قال هشام : فما الذي
هامش
( 1 ) الأغاني : استفزني وهلها . ( 2 ) في الأغاني 17 / 21 غائب آب ، ومذنب تاب . ( 3 ) الأغاني : بالإنابة . ( 4 ) الأغاني : ما الذي نجاك من القسري .