تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
قال فقال له مسلمة : ويحك يا كميت ! قد والله رأيت أمير المؤمنين حنقا عليك شديدا ، وما أثق بنفسي لك منه ، ولكني أشير عليك بواحدة ، إنه قد مات له ابن يقال له معاوية ، وهو غذا صائر إلى القبر ( 1 ) ، فكن أنت هنالك قبل مجيئه فاستجر به وأنا أعينك على ذلك . قال : فانصرف الكميت من عند مسلمة ، ثم إنه بكر إلى قبر معاوية بن هشام فجلس إليه ، وقد هيأ أبياتا من الشعر ، وخرج هشام من قصره يريد القبر ومعه سادات بني عمه من بني أمية ومسلمة يسير عن يمينه ، فلما نظر إلى الكميت من بعيد قال : إني أرى رجلا قاعدا عند القبر ، فقيل : يا أمير المؤمنين لعله مستجير قد استجار بالقبر ! فقال هشام : قد أجرنا كل من قد استجار إلا الكميت ، فقال مسلمة : يا أمير المؤمنين وما الكميت حتى يستثنى باسمه ! قال هشام : فإنا قد أجرناه وإن كان الكميت . قال : ودنا هشام إلى القبر ، فوثب الكميت قائما وهو يقول : تأوب عيني داءها فاستهلت * بعبرة محزون هضاب وقلت على هالك من آل فهر بن مالك * له كشفت شمس النهار وكلت فلا تحسب الأعداء إن مات أنني * خذلت ولا أبيات قومي قلت سأبكيك للدنيا وللدين إنني * رأيت يد المعروف بعدك شلت قال : فدمعت هينا هشام ، ثم دنا فجلس عند القبر ، فوثب الكميت قائما على قدميه ثم استأذن في الكلام ، فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال ( 2 ) : إن الله عز وجل جعل أولياء دعوته وسيوف نقمه وأنصار دينه ورقباء عدله وورثة فضله وعيبة علمه ومعادن حكمه ، وخلفاءه في عباده وبلاده آباء أمير المؤمنين أطال الله في العافية ! ومنتهى الرغبة في بقائه ، فهم المطهرون من الدنس ، المصفون من النجس ، النجباء في النسب ، البلغاء في الحسب ، النخباء في الأزل ، السمحاء في المحل ، الحكماء المساميح ، الرحماء المناصيح ، لا كفره ممنوع ولا فجره ، ولا معازيل ولا سائل في الهيجاء ، ولا مهاذير في الملاء ، ولا حمد في اللواء ، ولا مناكيد عند العطاء ، ولا جبن عند الأعداء ، ولا قحط قنط في السنين ، ولا سقط فرط عن المقلين ، ولا حزر بزر للدائرين ، ولا مطلق الألسنة بجهل الجاهلين ، لا مروعون بالأهاويل ولا لاهون بالأباطيل ، أهل الحلوم عن البوادر والعلوم بالمخاطر ، ولطاف
هامش
( 1 ) وقبره بدير حنيناء كما في الأغاني ، وهو من أعمال دمشق كما في معجم البلدان . ( 2 ) بعض خطبته أمام هشام بن عبد الملك في الأغاني 17 / 11 .