حملك على الغواية ( 1 ) ؟ قال : الذي أغوى آدم من قبلي ( فنسي ولم نجد له
عزما ) . قال هشام : فهل قلت في خروجك من السجن شيئا ؟ قال الكميت : نعم يا
أمير المؤمنين أنا القائل في ذلك :
لقد رام مني خالد وابن خالد * دواهي شتى من جهاد ومن ختل
فما أطلقا من محكماتي عقيدة * وما ازداد إلا مرة لهما قتلي
عصيت فلم أحلل عليهم بدرة * ولم يجدوني ذا سقاط وذا فشل
فلما أحلوني بصلعاء صيلم ( 2 ) * وصول عبوس الليل بين أبي الشبل
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * على الرغم من تلك النوابح والمشلي ( 3 )
علي ثياب الغانيات وتحتها * عزيمة أمر شبهت سنة النصل
قال : فأطرق هشام يفكر في أمره ثم رفع رأسه وقال : خبرني بأي قديم
وحديث هجوت بني أمية ولولا سعة أحلامها لضاق عليك الأرض برحبها ، ويخص
بلهواتك زلاها وعذبها ؟ قال : فسكت الكميت وتكلم رجل من حاشيته ، فقال : يا
أمير المؤمنين ! ما خسر بذلك إلا حظه ، ولا أحبط إلا عمله ، ولا ضر إلا نفسه إذ
حاول بشعره من أراد الله حط درجته ، وحط من أراد الله أن يعلي مرتبته . قال : فأشار
هشام إلى ذلك الرجل أن كف فسكت الرجل وتكلم الكيمت فقال : يا أمير
المؤمنين ! تقبل توبة مذنب راجع عن ذنبه ، ولا تفزعه بما كان من تفريطه عن طريق
الحق ، قال هشام : فليفرج روعك فقد أجرناك ، وعفونا كل ما كان منك إذا أنبت
إلى الحق ، واعترفت بالذنب . قال : ثم وصله هشام بعشرة آلاف درهم ( 4 ) ، ووصله
مسلمة بخمسة آلاف درهم ( 5 ) . ثم أخذ له كتاب منشور من هشام : لا سبيل لاحد
عليه - والسلام - .
هامش
( 1 ) في الأغاني : قال : ومن سن لك الغي وأورطك فيه ؟ .
( 2 ) عن شعر الكميت ، وبالأصل : صيكم .
( 3 ) يضرب المثل بقدح ابن مقبل ، لأنه وصفه بقوله :
خروج من الغمى إذا صك صكة * بدا والعيون المستكفة تلمح
( 4 ) في الأغاني : بأربعين ألف درهم .
( 5 ) في الأغاني : بعشرين ألف درهم .