تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
مائة يوم مثل يوم واحد ما يفترون ولا يكيع بعضهم من بعض ، فلما كان في آخر الأيام اقتتلوا من صلاة المغرب إلى أن أصبحوا ، ثم رجع عن بعضهم بعض وقد قتل من الفريقين سبعة عشر ألف إنسان ، ثم وضعوا السلاح . وصعد ابن الأشعث إلى منبر له في عسكره - قد كان حمله قبل ذلك معه - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إن الحرب سجال تهلك فيها أنفس الرجال ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظفر يوما قط حتى ينال منه ومن أصحابه ، فإن كان هذا الامر في قريش فقد فقأتم ( 1 ) بيضة قريش ، وإن يكن في غيركم من العرب فأنا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس ( 2 ) بن معدي كرب ، أيها الناس ! إنكم لتعيرون آل مروان بأمهم الزرقاء ، ولا والله ما كان لهم نسب قط أشرف من الزرقاء ! وإنكم تعلمون أن مروان هو الطريد ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وإنه على منبره يقول ما يقول إذ نادى منادي الحجاج بالقتال ، فزحف القوم بعضهم إلى بعض ، فجعلوا يقتتلون ويتناجزون وابن الأشعث واقف على المنبر ، وإن السهام لتأتيه من بين يديه حتى تجوزه فما يستتر منها بشيء ولا يتقيها ، لكنه ينظر إلى أصحابه كيف يقتلون . فلم يزل كذلك حتى وقعت الهزيمة على أصحابه من خيل خرجت لهم في الكمين ، فمروا منهزمين لا يقف أحد على أحد حتى دخلوا الكوفة ، فلما نظر ابن الأشعث إلى ذلك نزل عن المنبر فاستوى على فرسه ، ثم وقف على حامية الناس في قريب من ألف رجل ، فجعل مرة يحمل عليهم فيكشفهم ، ومرة يدنو من الكوفة ، فنظر إلى أبياتها فكبر ودخلها فجعل يحمل نساءه وحريمه وأولاده وأمواله حتى صار إلى السوس فنزلها ومعه زهاء عن عشرة آلاف من أصحابه ، وسائرهم قد تفرقوا في البلاد . قال : والحجاج في موضعه ذلك بدير الجماجم لا يبرح حتى علم أن ابن الأشعث قد خرج ، فأقبل حتى دخل الكوفة وتلاحقت به الناس من دير الجماجم ، ثم دخل الحجاج إلى قصر الامارة ودعا الناس إلى البيعة ، فبايعوه من كل ناحية . قال : وتقدمت إليه قبائل النخع لتبايعه وتطابقه وتشايعه - والله أعلم وأحكم - .
هامش
( 1 ) في الطبري 6 / 349 فعني فقئت . ( 2 ) عن الطبري وبالأصل : يزيد .
الفتوح — صفحة 93 | أحمد بن أعثم الكوفي / علي شيري