تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وأصحابه حتى ألجأهم إلى وادي جيرفت ، وصاح المهلب بابنه يزيد فقال : يا بني ! ابسط خيلك على القوم ، قال : فبسط يزيد خيله على الأزارقة ، وثبتت الأزارقة للحرب ، وجعل أصحاب يزيد بن المهلب لا يرون داعيا من الأزارقة إلا ورموه بالحجارة ، فلم يزالوا كذلك إلى الصباح حتى قتل من الأزارقة بشر كثير ، وقتل سلقط بن عمرو الأزدي ، فأنشأ سماعة بن يزيد يقول أبياتا مطلعها : توى سلقط في حومة الحرب مسندا * فيا عين جودي بالدموع لسلقط إلى آخرها . قال : وولت الأزارقة منهزمين حتى دخلوا مدينة جيرفت بشر وعر ، فأقاموا يومهم ذلك . فلما كان الليل إذا برجل من الأزارقة قد أشرف على سور المدينة وهو يقول أبياتا مطلعها : إلى الله أشكو كربة أن تفرجا * وهما دخيلا لا أرى منه مخرجا ( 1 ) إلى آخرها . قال : فلما سمع المهلب شعره التفت إلى رجل من أصحابه فقال : اسأله ممن هو ؟ فناداه ذلك الرجل : أيها المتكلم ممن تكون ؟ فقال : أنا رجل من الأزد من أهل الكوفة ، وأنا ابن عم سراقة البارقي ، وأيم الله أني لخائف أن أبتلي الفتنة . قال : فلما أصبح المهلب عبى أصحابه للحرب ودنا من باب جيرفت ، وبلغ ذلك عبد ربه رئيس الأزارقة فقام فيهم خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( 2 ) : يا معشر المهاجرين ! إن قطري بن الفجاءة عبيدة بن هلال وعمرو القنا وشيعتهم إنما هربوا رجاء البقاء . وليس إلى البقاء من سبيل وقد زحف إليكم القوم ، وهؤلاء قوم بحدهم وحديثهم ، فإن غلبوكم على الحياة فلا يغلبوكم على الموت ، فانظروا أن لا يبقى الرماح إلا بالنحور والسيوف إلا بالوجوه ، وتعجلوا إلى قبل أحداث هذه الدنيا ، وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة ، ولا تيأسوا من النصر ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين . قال : فخرجت الأزارقة مستميتين ( 3 ) وقد عزموا على الموت . ودنا القوم
هامش
( 1 ) الشطران في شعر الخوارج ص 151 . ( 2 ) انظر الكامل لابن الأثير 3 / 129 حوادث سنة 77 . والكامل للمبرد 3 / 1340 باختلاف بين النصوص . ( 3 ) في الأصل : مستميتون .