تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
يا أيها الداعي إلى الجلاد * في حومة الابطال والأنجاد أتاك ليث سلس القياد * ذو صولة يكرهها الأعادي ثم تطاعنا برمحيهما فلم يصنعا شيئا ، وتضاربا بسيفهما فلم يصنعا شيئا ، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه حتى سقطا عن فرسيهما إلى الأرض ، فشد عليه العلج بخنجر كان معه فوجأه في نحر فقتله - رحمه الله - . قال : وخرج من بعده يعقوب بن عبد الكريم ( 1 ) الأنصاري نحو القسطنطين هذا العلج وهو يقول : لتذهبن اليوم نفسي أسفا * إذ كنت بعد خمسة مخلفا قد نلت من لذة عيشي ما صفا * حسبي الذي عاينت حسبي وكفا ثم حمل الأنصاري على قسطنطين العلج فقتله . ثم وقف ودعا إلى البراز فلم يخرج إليه أحد ، وكاعت الروم بعد قتل قسطنطين . قال : وجعل مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين يتعجبون من إقدام هؤلاء الفتية على الموت وصبرهم على الحرب ، وكل واحد منهم يتلو صاحبه . قال : والتفت بشر بن مطر الأزدي إلى إخوته الذين بقوا معه يعقوب بن عبد الكريم ( 1 ) الأنصاري وأحمد بن محمد اليشكري ، ومحمد بن زرعة العبدي ، فقال : يا إخوتي ! إنه قد قتل منا خمسة ومضوا لسبيلهم ونحن ههنا أربعة ونرجو أن نلحق بهم عن قريب إن شاء الله ، ولكن هل ترون ما أرى ؟ فقالوا : وما ترى يرحمك الله ؟ فقال : ويحكم ! إني رفعت رأسي إلى السماء أنظر إلى هذه الغمامة التي ( 2 ) قد أظلت هذا العسكر فرأيت عجبا عجيبا ، وذلك أني رأيت رجالا لم أر ( 3 ) مثلهم ولا مثل صورتهم ساعة قط ، ومعهم خيام بيض لم أر ( 3 ) على حسنها شيئا ، ونظرت إلى نسوة يطلعن علينا من هذه الغمامة ويضحكن إلى إخواننا هؤلاء الذين قتلوا ، فهذا ما رأيت . قال : فعند ذلك اقشعرت جلود القوم ووقفت شعورهم ، واشتاقوا إلى ما شوقهم إليه صاحبهم بشر بن مطر الأزدي ، ثم غلبتهم أعينهم بالبكاء والترحم على إخوانهم ، وجعل بعضهم يقول لبعض : إنه يجب علينا الان أن لا نقصر في جهاد هؤلاء القوم الكفار ، فعسى الله أن يجمعنا مع إخواننا في مستقر رحمته .
هامش
( 1 ) ورد في أول الخبر ( عبد الله ) . ( 2 ) الأصل : الذي . ( 3 ) الأصل : ( لم أرى ) خطأ .