ثم أرسل إلى قيس بن سعد فدعاه إلى البيعة ، فأبى أن يبايع ، فدعاه الحسن
وأمره أن يبايع معاوية ، فقال له قيس : يا بن رسول الله ! إن لك في عنقي بيعة ،
وإني والله لا أخلعها أبدا حتى تكون أنت الذي تخلعها ! فقال له الحسن : فأنت في
حل وسعة من بيعتي ، فبايع ! فإني قد بايعت ، فعندها بايع قيس لمعاوية . فقال له
معاوية : يا قيس ! إني قد كنت أكره أن تجتمع الناس إلي وأنت حي . فقال قيس :
وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن يصير هذا الأمر إليك وأنا حي ( 1 ) .
قال : ثم انصرف الناس يومهم ذلك ، فلما كان من الغد أقبل الحسن إلى
معاوية حتى دخل عليه ، فلما اطمأن بن المجلس قال له معاوية : أبا محمد ! إنك قد
جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال ، ولا عليك أن تتكلم ( 2 ) وتعلم الناس بأنك قد
بايعت حتى يعلموا ذلك ! قال الحسن : فإني أفعل .
ثم تكلم الحسن وقال ( 3 ) : أيها الناس ! إن أكيس الكيس التقى ، وإن أحمق
الحمق الفجور ، وإنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرص ( 4 ) رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وقد علمتم أن الله تعالى هداكم بجدي
محمد ، وأنقذكم به من الضلالة ، ورفعكم به من الجهالة ، وأعزكم به بعد الذلة ،
وكثركم به بعد القلة ، وإن معاوية نازعني على حق هو لي دونه ، فنظرت صلاح
الأمة ، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ، وإن
معاوية واضع الحرب بيني وبينه ، وقد بايعته ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما
سفكها ، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم ، ( وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع
إلى حين ) ( 5 ) .
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، وفي الطبري 6 / 94 أن قيس بن سعد رفض مبايعة معاوية مع إخباره بتسليم الأمر إليه :
" فأرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله فقال : اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك .
فاشترط قيس فيه له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال . . . وأعطاه معاوية ما سأل ،
فدخل قيس ومن معه في طاعته " .
( 2 ) وفي مروج الذهب 2 / 479 أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بأن يتكلم أمام
الناس لكي " يبدو عليه للناس بأن يتكلم بأمور لا يدري ما هي ، ولم يزل به حتى أطاعه " .
( 3 ) الطبري 6 / 93 مروج الذهب 2 / 480 الإمامة والسياسة 1 / 163 شرح نهج البلاغة لابن أبي
الحديد 4 / 695 باختلاف النصوص .
( 4 ) في معجم البلدان : جابرس ، وفي رواية : حابلص .
( 5 ) سورة الأنبياء الآية 111 .