فداك ، ما ينقضي تعجبي منك ، كيف بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف ، ثم
لم تأخذ لنفسك ولا لأهل بيتك ولا لشيعتك منه عهدا وميثاقا في عقد طاهر ، لكنه
أعطاك أمرا بينك وبينه ثم إنه تكلم بما قد سمعت ، والله ما أراد بهذا الكلام أحدا
سواك . فقال له الحسن : صدقت يا مسيب ! قد كان ذلك فما ترى الآن ؟ فقال :
أرى والله أن ترجع إلى ما كنت عليه وتنقض هذه البيعة ، فقد نقض ما كان بينك
وبينه ! قال : ونظر الحسن بن علي إلى معاوية وإلى ما قد نزل به من الخوف
والجزع ، فجعل يسكن الناس حتى سكنوا ، ثم قال للمسيب : يا مسيب ! إن الغدر
لا يليق بنا ولا خير فيه ، ولو أني أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر مني
على اللقاء . ولا أثبت عند الوغاء ، ولا أقوى على المحاربة إذا استقرت الهيجاء ،
ولكني أردت بذلك صلاحكم وكف بعضكم عن بعض ، فارضوا بقضاء الله وسلموا
الأمر لله حتى يستريح بر ويستراح من فاجر .
قال : فبينما الحسن بن علي يكلم المسيب بهذا الكلام إذا برجل من أهل
الكوفة يقال له عبيدة بن عمرو الكندي قد دخل ، وفي وجهه ضربة منكرة ، قال :
وعرفه الحسن فقال : ما هذا الذي بوجهك يا أخا كندة ؟ قال : هذه ضربة أصابتني
مع قيس بن سعد . فقال حجر بن عدي الكندي ( 1 ) : أما والله لقد وددت أنك مت في
ذلك ومتنا معك ثم لم نر هذا اليوم ، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا
مسرورين بما أحبوا .
قال : فتغير وجه الحسن ثم قام عن مجلس معاوية وصار إلى منزله ، ثم أرسل
إلى حجر بن عدي فدعاه ، ثم قال له : يا حجر ! إني قد سمعت كلامك في مجلس
معاوية ، وليس كل إنسان يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك ، وإني لم أفعل ما فعلت إلا
إبقاء عليكم ، والله تعالى كل يوم هو في شأن .
قال : فبينا الحسن يكلم حجر بن عدي إذا برجل من أصحابه قد دخل عليه
يقال له سفيان بن الليل البهمي ( 2 ) فقال له ( 3 ) : السلام عليك يا مذل المؤمنين ، فلقد
جئت بأمر عظيم ، هلا قاتلت حتى تموت ونموت معك ! فقال له الحسن : يا هذا !
هامش
( 1 ) انظر مقالة حجر بن عدي وجواب الحسن بن علي ( رض ) عليه في الأخبار الطوال ص 220 .
( 2 ) الأخبار الطوال : سفيان بن ليلى .
( 3 ) في الأخبار الطوال أن القائل هو علي بن محمد بن بشير الهمداني .