منها على الهلاك ، فيجب أن تكف عنا ونكف عنك إلى أن يأتيك علم ذلك .
قال : فأمسك قيس بن سعد عن القتال ينتظر الخبر ، قال : وجعل أهل العراق
يتوجهون إلى معاوية قبيلة بعد قبيلة ، حتى خف عسكره .
فلما رأى ذلك كتب إلى الحسن بن علي يخبره بما هو فيه . فلما قرأ الحسن
الكتاب أرسل إلى وجوه أصحابه فدعاهم ، ثم قال : يا أهل العراق ! ما أصنع
بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا
إلى معاوية ، أما والله ما هذا بمنكر منكم لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين
على الحكمين ، فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم ، ثم دعاكم إلى قتال
معاوية ثانية فتوانيتم ، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه . ثم دعاكم إلى قتال
معاوية ثانية فتوانيتم ، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه . ثم إنكم بايعتموني
طائعين غير مكرهين ، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا ، والله يعلم ما نويت
فيه ، فكان منكم إلي ما كان ، يا أهل العراق ! فحسبي منكم لا تعزوني في ديني
فإني مسلم هذا الأمر إلى معاوية ( 1 ) .
قال : فقال له أخوه الحسين : يا أخي ! أعيذك بالله من هذا ! فقال الحسن :
هامش
( 1 ) مر قريبا أن الحسن بن علي ، وبعد الموقف الهجومي الذي اتخذه معاوية في الرد على كتاب للحسن
يدعوه لبيعته ، إذ فاجأه معاوية بتجهيز أكثر من ستين ألفا وبالمسير نحو العراق . فأسرع الحسن في
استنفار قواته وعماله وتعبئة جيشه والتوجه إلى المدائن فمسكن ، وقد ذكرنا - انظر ما لاحظناه قريبا - أنه
حدثت تطورات وأوضاع هامة وخطيرة وهو في المدائن تركت الحسن في موقف بالغ الدقة والخطورة
حيث غلبت عليه الحيرة في الموقف المفترض اتخاذه ثم طرأ أيضا ظروف أدق - حتمت عليه - اتخاذ
الموقف الجريء الواضح والذي لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم ، فكانت خطة حقن الدماء التي
أقرها وقررها .
وأما الظروف المستجدة - إلى جانب التطورات التي ذكرناها سابقا - والتي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف
فهي :
1 - خطة الحرب النفسية والدعائية التي شنها معاوية والتي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش في
مسكن .
2 - نشر الشائعات في جيس الحسن ، وكانوا من أغرار الناس والمتأرجحين بين الطاعة والعصيان
والمتأهبين للفتنة والاضطرابات في كل حين .
3 - تهديم معنويات جيش الحسن . ولعبة تفتيته على قاعدة العناصر والألوان التي كثرت فيه .
أمام هذا كله وقف الحسن غير عابىء بما يدور حوله ، ووضع خطته فيما يريده الله وما يؤثره عن
رسول الله ( ص ) وما يجب لصيانة المبدأ ، وأما ما يقوله الناس فلم يكن ذلك ما يعنيه كثيرا
( الطبري - اليعقوبي - ابن كثير ) .