فلما أراد الرحيل ( 1 ) قام في الناس خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أيها الناس ! إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ،
والله لقد أصبحت وما أنا محتمل على أحد من هذه الأمة ضغنة في شرق ولا غرب
ولما تكرهون في الجاهلية ، والألفة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون من
الفرقة والخوف والتباغض والعداوة - والسلام - .
قال : فلما سمع الناس هذا الكلام من الحسن كأنه وقع بقلوبهم أنه خالع نفسه
من الخلافة ومسلم الأمر لمعاوية ، فغضبوا لذلك ، ثم بادروا إليه من كل ناحية ،
فقطعوا عليه الكلام ، ونهبوا عامة أثقاله ، وخرقوا ثيابه ، وأخذوا مطرفا كان عليه ،
وأخذوا أيضا جارية كانت معه ، وتفرقت عنه عامة أصحابه ، فقال الحسن : لا حول
ولا قوة إلا بالله .
قال : فدعا بفرسه فركب ، وسار وهو مغموم لما قد نزل به من كلامه . وأقبل
هامش
فارس ثم ليكون من وراء ميدانه الذي سينازل به معاوية وأهل الشام ، وليس بين معسكري الحسن بين
المدائن ومقدمة جيشه ( قيس بن سعد ) التي أرسلها إلى مسكن أكثر من خمسة عشر فرسخا .
( 1 ) كذا بالأصل ، والأخبار الطوال ص 216 . ويفهم من رواية الطبري 6 / 92 أنه لا شيء مهم حصل
إبان إقامة الحسن بن علي بساباط ، وأنه انتقل منها إلى المدائن .
وفي المدائن حصلت تطورات هامة وخطيرة كانت تزيد من خيبة أمله ، وتزيد من ضعف ثقته بجيشه
ووضعته أمام اتخاذ موقف واحد لا ثاني له ، موقف يتناسب مع خطورة الأوضاع التي تتابعت بسرعة .
أما التطورات التي حصلت فمنها :
1 - تثاقل الناس عن الحرب ، فإذا كان تقديرنا - على اختلاف الأقوال - للمستنفرين ما بين 40 ألفا
إلى مئة ألف يجب أن نشير إلى أن القوة القتالية المفترضة في العراق تتعدى ثلاثمئة ألف .
2 - دور أصحاب الفتن وأصحاب الطمع بالغنائم وأصحاب العصبيات في تفتيت وحدة جيش
الحسن .
3 - دور الخوارج ، الذين طالما نادوا بالقتال ، في تذكية نار الحقد بين الفريقين المتحاربين وظهورهم
بأنهم الجنود المناصحين في حين أنهم في ذلك إلى اغتنام الفرص من أجل تنفيذ مخططاتهم ،
والتي نذكر أقلها ، في إضعاف الطرفين . ولم يطل تظاهرهم فقدموا على تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة
في محاولة اغتيال الحسن بن علي ، حيث طعنة أحدهم ، ابن سنان الأسدي ولكن هذه الطعنة لم
تبلغ من الحسن وكانت سلامته بلطف من الله وعنايته .
4 - تكون جيش الحسن ( رض ) من عناصر مختلفة وألوان متعددة أفقدته المصداقية وأذنت بسرعة
تفرقه وتشرذمه .
( 5 ) الدساس والإشاعات والحرب النفسية التي خاضها معاوية كان لها الأثر المدمر في الروح المعنوية
للجيش . ومن ذلك ما أشار إليه الطبري 6 / 92 إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد
قتل فانفروا فنفروا وسرقوا سرادق الحسن .