لسلمت لك هذا الأمر بعد أبيك ، لأني قد علمت بأنك إنما تدعي ما تدعيه نحو
أبيك ، وقد علمت أن أباك سار إلينا فحاربنا ، ثم صار من أمره إلى أن اختار رجلا
واخترنا رجلا ، ليحكما بما يصلح عليه أمر الأمة وتعود به الألفة والجماعة ، وأخذنا
على الحكمين بذلك عهد الله وميثاقه ، وأخذا منا مثل ذلك على الرضا بما حكما ،
ثم أنهما اتفقا على خلع أبيك فخلعاه ، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك
وقد خرج أبوك منه ؟ فانظر لنفسك أبا محمد ولدينك - والسلام ( 1 ) - .
ثم وجه الكتاب إلى الحسن ، ودعا معاوية بالضحاك بن قيس واستخلفه على
الشام .
ذكر خروج معاوية من الشام يريد العراق وخروج
الحسن بن علي من الكوفة يريد الشام
قال : ثم جمع معاوية الناس وخرج في ستين ألفا يريد العراق ، وكتب
الحسن بن علي إلى عماله يأمرهم بالاحتراس ، ثم ندب الناس إلى حرب معاوية ،
ودعا بالمغيرة بن نوفل بن الحارث فاستخلفه على الكوفة وخرج في نيف عن أربعين
ألفا حتى نزل بدير عبد الرحمن ( 2 ) ، ثم دعا قيس بن سعد بن عبادة وضم إليه ألف
رجل ( 3 ) وجعله على مقدمته .
قال : فمضى قيس وأخذ على الفرات يريد الشام ( 4 ) ، وخرج الحسن بن علي
حتى أتى ساباط المدائن ( 5 ) ، فأقام بها أياما .
هامش
( 1 ) زيد في شرح النهج : ثم قال للحارث وجندب ( رسولا الحسن إليه ) : ارجعا فليس بيني وبينكم إلا
السيف .
( 2 ) دير عبد الرحمن : هو مفرق الطريق بين معسكري الحسن في المدائن ومسكن .
( 3 ) في الطبري 6 / 92 وابن الأثير 2 / 445 في اثني عشر ألفا .
( 4 ) أخذ على الفرات وقرى الفلوجة ثم إلى مسكن ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 693 ) .
( 5 ) ساباط قرية في المدائن ، عندها قنطرة على نهر الملك ولعلها إنما سميت بهذا الاسم لوجود سقيفة
نادرة من السوابيط فيها .
وكانت خطة الحسن العسكرية أن يتخذ من المدائن - نظرا لموقعها من الناحية العسكرية والاستراتيجية
مقرا لقيادته العليا . فالمدائن رأس جسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها ، وهي بموقعها الجغرافي
النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاثة التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالأخرى .
وإقامته - كما خطط - بالمدائن لاستقبال النجدات المحتملة والمتوقعة من كل من البصرة أو الكوفة أو