قال : ونظر ( 1 ) أصحاب علي إلى قوم من أصحاب معاوية قد وقفوا على تل
عظيم ، فحلموا عليهم حتى خالطوهم ، ثم ضاربوهم حتى أزالوهم عن ذلك التل ،
وقتلوا منهم جماعة ، فأنشأ المعدل بن نائل العجلي يقول :
لست أنسى مقام غسان بالتل * ولو عشت ما أظل الغمام ( 2 )
إنهم للخيول أحلاس صدق * عند هيجائها وعند الضرام
سادة قادة [ هم و ] إذا اعصو * صب يوم القراع خير الكهام
فهم الناس إن ذكرت أناسا * وهم الغر في ذرى الأعلام
ناوشونا غداة سرنا إليهم * بالعوالي وبالسيوف الدوامي
فتولوا ولم يعينوا جميعا * عند وقع السيوف عند الزحام
وأصبنا بكل كهل كريم * صادق البأس سيد قمقام
ذكر صفة ليلة الهرير
قال : وقامت الفرسان في الركب فاصطفقوا بالسيوف وارتفع الرهج وثار ( 3 )
القتام وتضعضعت الرايات وحطت الألوية ( 4 ) ، وغابت الشمس ( 5 ) وذهبت مواقيت
الصلاة حتى ما كان في الفريقين أحد يصلي ذلك اليوم ولا سجد لله سجدة ، ولا
كانت الصلاة إلا بالتكبير والإيماء نحو القبلة .
قال : وهجم عليهم الليل واشتدت الحرب ، وهذه ليلة الهرير ، فجعل
بعضهم يهر على بعض ، ويعتنق بعضهم بعضا ، ويكرم بعضهم بعضا ( 6 ) .
قال : وجعل علي رضي الله عنه يقف ساعة بعد ساعة ويرفع رأسه إلى السماء
وهو يقول ( 7 ) : اللهم ! إليك نقلت الأقدام وإليك أفضت ( 8 ) القلوب ورفعت الأيدي
هامش
( 1 ) بالأصل : ونظروا .
( 2 ) في البيت اقواء .
( 3 ) مروج الذهب 2 / 431 : " وارتفع القتام " . والقتام الغبار المتصاعد من شدة المجاولة خلال
المعركة .
( 4 ) وضلت الألوية والرايات . وفي مروج الذهب 2 / 431 : وتقطعت الألوية والرايات .
( 5 ) مروج الذهب : وكسفت الشمس .
( 6 ) في مروج الذهب : وكان يعتنق الفارس ويقعان جميعا على الأرض عن فرسيهما .
( 7 ) نهج البلاغة كتاب رقم 15 : إذا لقي العدو محاربا . ووقعة صفين ص 477 . باختلاف النصوص .
( 8 ) أفضت : انتهت ووصلت ( شرح محمد عبده - نهج البلاغة ) .