إلاّ ما قد يتوهّم من التعابير الواقعة في بعض الأخبار ، كخبر أبي بصير وغياث بن إبراهيم
وسماعة وعبد الله بن سنان ، وهذه ليس فيها ما يدلّ على التقديم من جهة ذكر السبب .
نعم ، لو كان هناك جمع عرفيّ بين نصوص البيّنتين ، ففي مثل هذه الحالة يعمل به ، كما
تنبّه إلى ذلك المحقّق الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ( رحمه الله ) ( 1 ) .
وعليه فلا يستفاد من رواية أبي بصير أكثر من ذلك ، فراجع وتدبّر .
ثمّ إنّه قد استفيد من بعض الأحاديث ، كرواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله وسماعة
وعبد الله بن سنان ، الترجيح بالعدد والعدالة ، وهي التي صارت فيما بعد سبباً لتعرّض
الفقهاء إلى القول بالترجيح وإلى معالجة ما يتفرّع منه ؛ والسؤال هنا هو : هل الترجيح واقع
في جميع الموارد أم في بعضها ؟ وهل أنّ الترجيح إنّما يقع بهما فقط ، أم بكلّ ما كان يفيد
فائدتهما ، كالأضبطيّة والأخبريّة وغيرها ؟ ما هو التكليف فيما إذا تعارضت المرجّحات
بعضها مع البعض الآخر ، كأن يكون أحد صاحبي الترجيح أعدل والآخر أكثر ؟
أقول : أمّا بالنسبة إلى أصل الترجيح ، فهو ثابت بما دلّت الأخبار عليه . وأمّا بالنسبة إلى
مواقعه وموارده ، فقد أشرنا إليها بما يناسبه في مطاوي ما مرّ في بحثنا .
وأمّا الحكم عند تعارض العدد والعدالة ، فهو ممّا لم تتعرّض له الأخبار . كلّ الذي يقال
بهذا الصدد إنّما هي استحسانات واعتبارات ، لا تعدو كونها ظنّيّة ، وبالتالي فلا دليل على
وجوب تقديم أحدهما على الآخر .
نعم ، لو كان أحدهما في نظر الحاكم ، أقرب إلى الواقع وأبعد من الخطأ والاشتباه ، أو من
احتمال تعمّد الكذب ، ففي مثل هذه الحالة يمكن الترجيح بحسب المورد - لأنّ حجّيّة
البيّنة هي من باب الطريقيّة والكشف لا الموضوعيّة - وإلاّ فلا ترجيح . فيكون الترجيح
بحسب المورد لا بحسب الضابطة الكلّيّة فافهم .
هامش
1 - تحرير المجلّة ، ج 4 ، ص 160 .