5 - ما روته العامّة عن جابر بن عبد الله الأنصاري : " أنّ رجلين تداعيا بدابّة ، فأقام كلّ
واحد منهما البيّنة أنّها دابّته نتجها ، فقضى بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للذي هي في يديه . " ( 1 )
نقول : بعد جميع ذلك ، إنّ الذي يحكم به العقل ويساعد عليه الاعتبار ، هو أنّ الاكتفاء
باليمين في جانب المنكر ، ليس هو من باب الأمر التعبّدي المحض الذي يحثّ عليه
الشرع ، وإنّما هو لكونه كاشفاً عن صدقه في قوله وإنكاره ، وذلك لاستبعاد حلف المسلم
المعتقد بالله وباليوم الآخر كذباً وعدواناً .
وعليه ، فلو كان في البين ما هو أتمّ كشفاً وأقوى شاهداً من ذلك ، كيف لا يصار إليه ، كما لو
كانت هناك مثلاً أمارات وقرائن حاليّة أو مقاليّة توجب العلم والاطمئنان بصدق المدّعي .
وقبال هذه الأدلّة يستدلّ على عدم حجّيّة البيّنة إذا أقامها المنكر بأمور :
أ - الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه
بادّعاء استفادة الحصر منها وبأنّ التفصيل قاطع للشركة .
أقول : هذه الأخبار لا تدلّ إلاّ على أنّ المطالَب بالبيّنة ، هو المدّعي لا المنكر ولا يدلّ
على عدم حجّيّة بيّنته إن أقامها ، وقد مرّ في توضيح رواية محمّد بن سنان أنّ القول
بالاكتفاء بالحلف إنّما هو رخصة لتسهيل الأمر لا عزيمة .
ب - ما ذكره الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) حسبما نقل تلميذه المحقّق الآشتياني ( رحمه الله ) وهو كون
بيّنة المدّعي علّة تامّة لإثبات الحقّ بها وليس للحاكم بعدها حالة يتريّث فيها كي يحكم
بها وهذا كاف في عدم سماع بيّنة المنكر في قبالها ، ويدلّ على ذلك ما في بعض الأخبار
من أنّ استخراج الحقوق بأربعة وعدّ منها البيّنة ، فإنّ ظاهره كون الأربعة علّة تامّة
لاستخراج الحقّ بها وما جاء في الآثار من أنّ دأب النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان فيما إذا ترافع إليه
الخصمان ، هو أن يبتدأ بالسؤال عن وجود البيّنة من المدّعي ، فإن كانت له بيّنة أنفذ الحكم
هامش
1 - السنن الكبرى ، ج 10 ، ص 256 .