ثمّ إنّ المحقّق النجفي ( رحمه الله ) أشكل فيما استدلّ به للزوم الإذن من الحاكم بقوله : " وفيه : أنّ
إطلاق السلطان للوليّ ، وتسلّط الناس على استيفاء حقوقها وغير ذلك ، يقتضي عدم
اعتبار الرفع إلى الحاكم ، مع فرض معلوميّة الحال وإقرار الخصم ، كما أنّه يقتضي مباشرته
لا خصوص الحاكم . " ( 1 )
غير أنّنا نقول : إنّ تبرير مثل هذا الاعتراض ضعيف لا يعتنى به . وما ذلك إلاّ لأنّ الآية
الشريفة وهي قوله تعالى : ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً ) ( 2 ) تدلّ على
أصل تشريع السلطنة للوليّ ، وهو غير كاف في الإطلاق . وكذلك القول بتسلّط الناس على
استيفاء حقوقهم ، غير كاف في المقام ؛ لأنّه لا ينافي أن يكون حكم الاستيفاء بكيفيّة
خاصّة ، وإنّما هم مسلّطون على حقوقهم لا على أحكامهم .
وعلى ذلك لا بدّ من المراجعة إلى الحاكم لإثبات حقّ القصاص للوليّ في المحكمة ،
فلا يجوز له المبادرة إلى استيفاء القصاص من دون مراجعة إلى الحاكم لإثبات الحقّ ، إذ
ثبوت الحقّ والسلطنة للوليّ لا ينافي ذلك ، والقاضي نصب لرفع المنازعات وأخذ
الحقوق . نعم بعد ثبوت الحقّ بحكم الحاكم ، لا يحتاج الاستيفاء إلى الإذن من الإمام أو
نائبه ، وهذا هو الذي يبحث عنه في كتاب القصاص ( 3 ) ؛ ولعلّ به يجمع بين كلمات الفقهاء
أو بين كلمات فقيه واحد كالشيخ والعلاّمة ( رحمهما الله ) ، فمرادهم من الرجوع إلى المحكمة ولزوم
الإذن منه ، هو لزوم الترافع إلى الحاكم لإثبات حقّ القصاص ، ومن عدم لزوم المراجعة
للاستيفاء ، هو عدم لزوم الإذن من الإمام أو نائبه بعد ثبوت الحقّ بحكم القاضي .
وأمّا الحدود ، فلا تجوز المبادرة إليها بدون إذن الحاكم للروايات الدالّة على كون إقامة
هامش
1 - جواهر الكلام ، ج 40 ، ص 387 .
2 - الإسراء ( 17 ) : 33 .
3 - راجع : فقه القصاص ، صص 316 - 318 .