وجملته : أنّ الحقوق على ثلاثة أضرب : حقّ للآدميّين محض ، وحقّ لله محض ، وحقّ
لله يتعلّق به حقّ لآدمي ؛ فإن كان لآدمي كالدين ونحو ذلك ، قضي به عليه ؛ وإن كان لله
كالزنا واللواط وشرب الخمر ، لا يقضى عليه بها ، لأنّ القضاء على الغائب احتياط ،
وحقوق الله لا يحتاط لها ، لأنّها مبنيّة على الإسقاط والتخفيف ، وحقوق الآدميين بخلاف
ذلك ؛ وأمّا ما كان حقّاً لله يتعلّق به حقّ لآدمي فهو السرقة يقضى عليه بالغرم دون
القطع . " ( 1 )
قال الدكتور وهبة الزحيلي : " حقّ الله ، أمره ونهيه وحقّ العبد ، مصالحه وتكاليفه وهو
كلّ ما للعبد إسقاطه ؛ أمّا حق الله فهو كلّ ما ليس للعبد إسقاطه ، وتكاليف الشريعة ثلاثة
أقسام بالنسبة لهذا التقسيم : 1 - حقّ الله تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر 2 - وحقّ
العباد فقط كالديون وأثمان الأشياء 3 - وقسم اختلف فيه ، هل يغلب فيه حقّ الله أو حقّ
العبد كحدّ القذف .
قال القرافي : نعني بحقّ العبد المحض أنّه لو أسقطه لسقط كما بيّنّا ، وإلاّ فما من حقّ
للعبد إلاّ وفيه حقّ الله تعالى وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه ، فيوجد حقّ الله
تعالى دون حقّ العبد ، ولا يوجد حقّ العبد إلاّ وفيه حقّ الله تعالى . وإنّما يعرف ذلك بصحّة
الإسقاط ، فكلّ ما للعبد إسقاطه فهو حقّ العبد ، وكلّ ما ليس له إسقاطه فهو حقّ الله تعالى .
وقد يوجد حقّ الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ، ويكون معه حقّ العبد ، كتحريمه
تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات . فإنّ الله تعالى إنّما حرّمها صوناً لمال العبد عليه ،
وصوناً له عن الضياع بعقود الغرر والجهل ، فلا يحصل المعقود عليه بكامله أو أغلبه ،
فيضيع المال ، فحجر الربّ تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على
أمر دنياه وآخرته ، ولو رضي العبد بإسقاط حقّه في ذلك ، لم يؤثّر رضاه وكذلك حجر الربّ
هامش
1 - المبسوط ، ج 8 ، ص 163 .