تقدّم تقسيم الحقوق ؛ ونزيد هنا أنّ المراد بحقّ الله تعالى ، إمّا أوامره الدالّة على طاعاته ، أو
نفس طاعته ، بناءاً على أنّه لولا الأمر ، لما صدق على العبادة أنّها حقّ الله تعالى أو بناءاً
على أنّ الأمر إنّما تعلّق بها لكونها في نفسها حقّ الله تعالى . وعليه نبّه في الحديث
الصحيح ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعن أهل بيته صلوات الله عليهم : حقّ الله على العباد
أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئاً ( 1 ) . ويتفرّع على اعتبار أنّ الأمر هو حقّ الله تعالى أنّ
حقوق العباد المأمور بأدائها إليهم مشتملة على حقّ الله تعالى ، لأجل الأمر الوارد إليهم ،
معاملة أو أمانة أو حدّاً أو قصاصاً أو دية أو غير ذلك . فعلى هذا يوجد حقّ الله بدون حقّ
العباد ، كما في الأمر بالصلاة ، ولا يوجد حقّ العبد بدون حقّ الله تعالى .
والضابط فيه ، أنّه كلّما للعبد إسقاطه ، فهو حقّ العبد ، وما لا فلا ؛ كتحريم الربا والغرر ؛
فإنّه لو تراضيا اثنان على ذلك ، لم يخرج عن الحرمة ، لتعلّق حقّ الله تعالى به ، لأنّ الله
تعالى ، إنّما حرّمها صوناً لمال العباد عليهم ، وحفظاً له عن الضياع ، فلا تحصل المصلحة
بالمعقود عليه ، أو تحصل مصلحة نزرة بإزائها مفسدة كبرى . ومن ثمّ منع العبد من إتلاف
نفسه وماله ، ولا اعتبار برضاه في ذلك ؛ وكذلك حرّمت السرقة والغصب صوناً لماله ،
والقذف صوناً لعرضه ، والزنا صوناً لنسبه والقتل والجرح صوناً لنفسه ، ولا يغيّرها رضى
العبد . " ( 2 )
وأقول : لا يخفى عليك أنّ في كلامه مواضع للنظر ، بل ليس له محصّل مع تخالف
الصدر والذيل ، والمثال والممثّل به ، وهذا غير خفيّ على الفطن المتأمّل .
قال الشيخ ( رحمه الله ) في المبسوط : " فالكلام في الحقوق التي يقضى بها على غائب وما
لا يقضى .
هامش
1 - راجع : بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 10 ؛ وج 71 ، صص 3 و 11 .
2 - نضد القواعد الفقهيّة ، صص 301 - 303 .