صحيح أنّ مثل هذا الموقف الإنساني النبيل ، الإسلامي المنحى ، ليس بمتحقّق عند
جميع الناس ، ولكنّه متحقّق عند رعاة الحقّ منهم ؛ ناهيك عن كونه الطريق الأمثل في هذه
المواقف والأمور . فإن لم يحلف المدّعى عليه وردّ اليمين على المدّعي ، فالمظنون أنّ
المطلب في نظره مشكوك ، وليس معلوماً ومتيقّناً .
ثمّ إنّ المدّعي إذا حلف بعد الردّ ، وهو يعلم أنّه قاطع ومتيقّن في دعواه ، ففي مثل هذه
الحالة يكون الترجيح بجانب الدعوى ويقدّم قوله .
وأمّا إذا أنكر المدّعى عليه فلم يحلف ولم يردّ الحلف بل ، نكل عنه فقط وهو في نكوله
إمّا أنّه يبغي العناد ، أو لأنّه يسيء الظنّ بالمدّعي ، حيث يظنّه يحلف دونما خوف من
عواقب الحلف ، فلذا لا يردّ الحلف عليه ، غير أنّ الأمر من وجهة نظر الحاكم ليس هكذا ،
بل أنّه كما يحمل حلف المنكر على الصدق ، فكذلك موقفه بالنسبة إلى المدّعي في حلفه .
هذا إذا كان الردّ على المدّعي لازماً في الحكم ، وأمّا إذا قلنا بأنّه يحكم عليه بمجرّد
النكول ، فهنا الأمر واضح ؛ لأنّ معناه أنّه لا يقصد إيجاد الإشكال في الدعوى بحيث تبقى
المشكلة بدون حلّ دائماً .
نعم ، هذا هو حكم المسألة ، وهذا هو طريق القضاء .
وإذا كان الأمر على مثل هذه الكيفيّة ، في المنكر الناكل ، فكيف يكون الحكم بالنسبة
إلى الساكت المتعنّت المعاند . أليس مثل هذا السكوت وفي مثل هذا الموقف ، هو في
حقيقته نكول ؟ وبالتالي ليس للتلفّظ بالإنكار موضوعيّة خاصّة ، بل إنّ من عمل عملاً
نتيجة الإنكار مع النكول ، فهو حينئذ يكون محكوماً بحكم الناكل ، من باب أولى .
وأيضاً نقول : إنّ في الروايات أنّ اليمين على من ادّعي عليه لا على المنكر وموضوع
إجراء حكم النكول هو عدم الحلف من غير تقيّد بكونه بعد الإنكار ويصدق على الساكت
المصرّ على السكوت أنّه مدّعى عليه فيعرض عليه الحلف ، فإذا لم يحلف فاللازم إلزامه
بالحقّ مع أنّه يمكن الاستدلال بخصوص خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله صدراً على
فقه القضاء — صفحة 160
مساهمون: السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
ص١٦٠