واستدلّ عليه بأنّ السكوت إمّا هو نكول أو هو أقوى ، لأنّ الناكل منكر غير حالف
ولا رادّ وهذا ممتنع عن اليمين والجواب . ولأنّه إذا أجاب إمّا يجيب بالإقرار أو بالإنكار ،
والأوّل مثبت للحقّ والثاني يوجب إجراء حكم النكول عليه .
وفيه : منع كونه نكولاً مع أنّ لفظ النكول لم يرد في شيء من الأخبار حتّى يدور الحكم
مدار صدقه ومنع حصر الجواب فيهما إذ لعلّه يجيب بجواب آخر وأيضاً لعلّ سكوته لعذر
بأن يكون قد أدّى الحقّ ويخاف من الإقرار لعدم البيّنة وكون الإنكار كذباً ولا يدري أنّ له
أن يجيب بالأعمّ بأن يقول : " لستُ مشغول الذمّة " ولا يعرف التورية .
القول الرابع : التخيير بين الحبس والردّ ولم يعرف قائله ( 1 ) ولا دليل عليه بالخصوص .
أقول : الإنصاف أنّ الساكت تعنّتاً وعناداً ، حكمه كحكم الناكل بل ، هو أسوأ حالاً منه .
وبيان ذلك : أنّ المدّعي إذا لم تكن لديه بيّنة ولا مستند علمي لإثبات مدّعاه ؛ فحينئذ
يرجع إلى المدّعى عليه ، بأمل أن يكون عند سؤاله حلّ للمشكل ، ومساهمة في إحقاق
الحقّ ، فإن أقرّ فبها ونعمت ، وقد حلّ المشكل ؛ وأمّا لو أنكر فحينئذ يكون إنكاره في مقابل
دعوى المدّعي ، ويحصل من جرّائه أمران متماثلان .
ثمّ إنّه من جهة كونه مطابقاً للأصل ، فله مزيّة خاصّة توجب تقديمه على الدعوى .
ولهذا السبب ، ولكون الأمر مرتبطاً بالحقوق ، ولأجل الحذر من تضييعها ، جعل في
الإسلام حقّ الاستحلاف ، حيث يحصل من الحالف في حلفه الاطمئنان بقوله والاعتماد
على إخلاصه .
وكيف لا يكون الأمر كذلك وإنّ من كان مؤمناً بالله والمعاد والثواب والعقاب ،
لا يحلف بالله في شيء ، حتّى يكون عالماً به . وهو بالتالي ، إن كان في قلبه شائبة ريب من
صدق القضيّة المرفوعة ؛ حينئذ يحذر من الحلف ويمتنع عنه .
هامش
1 - العروة الوثقى ، ج 3 ، ص 102 .