تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
إذا شاء وقبيحا إذا شاء فإذ هم خلقوا حركاتهم وإرادتهم منفردين بخلقها فليظهروها إلى أبصارنا حتى نراها أو نلمسها أو ليزيدوا في قدرها وليخالفوها عن رتبتها فإن قالوا لا نقدر على ذلك فليعلموا أنهم كاذبون في دعاويهم خلقها لأنفسهم فإن قالوا إنما نفعلها كما قوانا الله على فعلها فليعلمون أن الله تعالى إذا هو المقوى على فعل الخير والشر فإن به عز وجل كان الخير والشر وإذ لولا هو لم يكن خير ولا شر وبه كانا فهو كونهما وأعان عليهما وأظهرهما واخترعهما وهذا معنى خلقه تعالى لهما وبالله تعالى التوفيق ومن البرهان أن الله تعالى خالق أفعال خلقه قوله تعالى حاكيا عن سحرة فرعون مصدقا لهم ومثنيا عليهم في قولهم « ربنا أفرغ علينا صبرا » فصح أنه خالق ما يفرغه من الصبر الذي لو لم يفرغه على الصابر لم يكن له صبر وأيضا فإن جنس الحركات كلها والسكون كله والمعارف كلها جنس واحد وكل ما قيل على الكل قيل على جميع أجزائه وعلى كل بعض من أبعاضه فنسألهم عن حركات الحيوان غير الناطق وسكونه ومعرفته بما يعرف من مضاره ومنافعه في أكله وشربه وغير ذلك أكل ذلك مخلوق لله تعالى أم هو غير مخلوق فإن قالوا كل ذلك مخلوق كانوا قد نقضوا هذه المقدمات التي يشهد العقل والحس بتصديقها وظهر فساد قولهم في التفريق بين معرفتنا ومعرفة سائر الحيوان بما عرفه وبين حركاتنا وبين حركات سائر الحيوان وبين سكوننا وسكونه وهذه مكابرة ظاهرة ودعوى بلا برهان وإن قالوا بل كل ذلك غير مخلوق ألزمناهم مثل ذلك في سائر الأعضاء كلها فإن تناقضوا كفونا أنفسهم وإن تمادوا لزمهم أنه تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وهذا الحاد ظاهر وإبطال للخلق وكفى بهذا إضلالا ونعوذ بالله من الخذلان ويكفي من هذا أن الأعراض تجري على صفات الفاعل ونحن نجد الحكيم لا يقدر على الطيش والبذاء وأن الطياش البذي لا يقدر على الحياء والصبر والسئ الخلق لا يقدر على