تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
أدنى علم بحدود العالم وانقسامه وحركتنا وسكوننا يجمع كل ذلك مع كل حركة في العالم وكل سكون في العالم نوع من الحركة ونوع من السكون ثم ينقسم كل ذلك قسمين ولا مريد حركة اضطرارية وحركة اختيارية وسكونا اختياريا وسكونا اضطراريا وكل ذلك حركة تحد بحد الحركة وسكون يحد بحد السكون ومن المحال أن يكون بعض الحركات مخلوقا لله تعالى وبعضها غير مخلوق وكذلك السكون أيضا فإن لجؤوا إلى قول معمر في أن هذه الأعراض كلها فعل ما ظهرت فيه بطباع ذلك الشيء سهل أمرهم بعون الله تعالى وذلك أنهم إذا أقروا أن الله تعالى خالق المطبوعات ومرتب الطبيعة على ما هي عليه فهو تعالى خالق ما ظهر منها لأنه تعالى هو رتب كونه وظهوره على ما هو عليه رتبه لا يوجد بخلافها وهذا هو الخلق بعينه ولكنهم قوم لا يعلمون كالمتكسع في الظلمات وكما قال تعالى « كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا » نعوذ بالله من الخذلان وأيضا فإن نوع الحركات موجود قبل خلق الناس فمن المحال البين أن يخلق المرء ما قد كان نوعه موجودا قبله وأيضا فإن عمدتهم في الاحتجاج على القائلين بأن العالم لم يزل إنما هي مقارنة الأعراض للجواهر وظهور الحركات ملازمة للمتحرك بها فإذا كان ذلك دليلا باهرا على حدوث الجواهر وأن الله تعالى خلقها فما المانع من أن يكون ذلك دليلا باهرا أيضا على حدوث الأعراض وأن الله تعالى خلقها لولا ضعف عقول القدرية وقلة علمهم نعوذ بالله مما امتحنهم به ونسأله التوفيق لا إله إلا هو وأيضا فإن الله تعالى قال « إذا لذهب كل إله بما خلق » فأثبت تعالى أن من خلق شيئا فهو له إله فيلزمهم بالضرورة أنهم آلهة لأفعالهم التي خلقوها وهذا كفر مجرد أن طردوه وإلا لزمهم الانقطاع وترك قولهم الفاسد وأيضا فإن من خلق شيئا لم يعنه غيره عليه لكن انفرد بخلقه فبالضرورة يعلم أنه يصرف ما خلق كما يفعله إذا شاء ويتركه إذا شاء ويفعله حسنا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 95 | ابن حزم