تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
عند الله تعالى فصح أننا مستحقون بالنكال لظهور السيئة منا وأننا عاصون بذلك كما حكم علينا تعالى فحكمه الحق والعدل ولا مزيد وبالله تعالى التوفيق فإن قالوا فإذا كان الله خالقكم وخالق أفعالكم فأنتم والجمادات سواء قلنا كلا لأن الله تعالى خلق فينا علما نعرف به أنفسنا الأشياء على ما هي عليه وخلق فينا مشيئة لكل ما خلق فينا يسمى فعلا لنا فخلق فيه استحسان ما يستحسنه واستقباح ما يستقبحه وخلق تصرفا في الصناعات والعلوم ولم يخلق في الجمادات شيئا من ذلك فنحن مختارون قاصدون مريدون مستحسنون أو كارهون متصرفون علما بخلاف الجمادات فإن قيل فأنتم مالكون لأموركم مفوض إليكم أعمالكم مخترعون لأفعالكم قلنا لا لأن الملك والاختراع ليس هو لأحد غير الله تعالى إذ الكل مما في العالم مخترع له وملك له عز وجل والتفويض فيه معنى من الاستغناء ولا غنى بأحد عن الله عز وجل وبه نتأيد قال أبو محمد فإذ قد أبطلنا بحول الله تعالى وقوته كل ما شغب به المعتزلة في أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى فلنأت ببرهان ضروري إن شاء الله تعالى على صحة القول بأنها مخلوقة لله تعالى فنقول وبه عز وجل نتأيد أن العالم كله ما دون الله تعالى ينقسم قسمين جوهر وعرض لا ثالث لهما ثم ينقسم الجوهر إلى أجناس وأنواع ولكل نوع منها فصل يتميز به مما سواه من الأنواع التي يجمعها وإياه جنس واحد وبالضرورة نعلم أن ما لزم الجنس الأعلى لزم كل ما تحته إذ محال أن تكون نار غير حارة أو هواء راسب بطبعه أو إنسان صهال بطبعه وما أشبه هذا ثم بالضرورة نعلم أن الإنسان لا يفعل شيئا إلا الحركة والسكون والفكر والإرادة وهذه كلها كيفيات يجمعها مع اللون والطعم والمحبة والأشكال جنس الكيفية فمن المحال الممتنع أن يكون بعض ما تحت النوع الواحد والجنس الواحد مخلوقا وبعضه غير مخلوق وهذا أمر يعلمه باطلا من له
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 94 | ابن حزم