تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
قال أبو محمد وذلك أن جمهورهم قالوا وجدنا من فعل الجور في الشاهد كان جائرا ومن فعل الظلم كان ظالما ومن أعان فاعلا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرا عابثا قالوا والعدل من صفات الله تعالى والظلم والجور منفيان عنه قال تعالى « وما ربك بظلام للعبيد » وقال تعالى « وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » وقال تعالى « فما كان الله ليظلمهم » وقال تعالى « لا ظلم اليوم » قال أبو محمد وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدل لا يجور ولا يظلم ومن وصفه عز وجل بالظلم والجور فهو كافر ولكن ليس هذا على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسنت عقولهم وأنه يقبح منه تعالى ما قبحت عقولهم وهذا هو تشبيه مجرد لله تعالى بخلقه إذ حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه في العقل بما يحكم علينا قال أبو محمد وهذا مذهب يلزم كل من قال لما كان الحي في الشاهد لا يكون إلا بحياة وجب أن يكون الباري تعالى حيا بحياة وليس بين القولين فرق وكلاهما لازم لمن التزم أحدهما وكلاهما إضلال وخطأ وإنما الحق هو أن كل ما فعله الله عز وجل أي شيء كان فهو منه عز وجل حق وعدل وحكمة وإن كان بعض ذلك منا جورا وسفها وكل ما لم يفعله الله عز وجل فهو الظلم والباطل والعبث والتفاوت وأما اجراؤهم الحكم على الباري تعالى بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض فضلال بين وقول سبق له أصل عند الدهرية وعند المنانية وعند البراهمة وهو أن الدهرية قالت لما وجدنا الحليم فيما بيننا لا يفعل إلا لاجتلاب منفعة أو لدفع مضرة ووجدنا من فعله ما لا فائدة فيه فهو عابث هذا الذي لا يعقل غيره قالوا ولما وجدنا في العالم ضرا وشرا وعبثا وأقذارا ودودا وذبابا ومفسدين انتفى بذلك أن يكون له فاعل حكيم وقالت طائفة منهم