يستدل بالشاهد على الغايب وهذا قول قد أفسدناه في كتابنا في الأحكام في أصول الأحكام بحمد الله تعالى ونبين ها هنا فساده بايجاز فنقول وبالله تعالى التوفيق إنه ليس عن العقل الذي هو التمييز شيء غائب أصلا وإنما يغيب بعض الأشياء من الحواس وكل ما في العالم فهو مشاهده في العقل المذكور لأن العالم كله جوهر حامل وعرض محمول فيه وكلاهما يقتضي خالقا أو لا واحدا لا يشبهه شيء من خلقه في وجه من الوجوه فإن كانوا يعنون بالغائب الباري عز وجل فقد لزمه تشبيهه بخلقه إذ حكموا بتشبيه الغائب بالحاضر وفي هذا كفاية بل ما دل الشاهد كله إلا أن الله تعالى بخلاف كل من خلق من جميع الوجوه وحاشا الله أن يكون جل وعز غائبا بل هو شاهد بالعقل كما نشاهد بالحواس كل حاضر ولا فرق بين صحة معرفتنا عز وجل بالمشاهدة بضرورة العقل وبين صحة معرفتنا لسائر ما نشاهده ثم نرجع إن شاء الله تعالى إلى إنكارهم فعلا واحدا من فاعلين فنقول وبالله تعالى التوفيق إنما امتنع ذلك فيما بيننا في الأكثر لا على العموم لما شاهدناه من أنه لا تكون حركة واحدة في الأغلب لمتحركين ولا اعتقاد واحد لمعتقدين ولا إرادة واحدة لمريدين ولا فكرة واحدة لمفتكرين ولكن لو أخذ اثنان سيفا واحدا أو رمحا واحدا فضربا به إنسانا فقطعاه أو طعناه به لكانت حركة واحدة غير منقسمة لمتحركين بها وفعلا واحدا غير منقسم لفاعلين هذا أمر يشاهد بالحس والضرورة وهذا منصوص في القرآن من أنكره كفر وهو أن القراءة المشهورة عند المسلمين « إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا » وليهب لك غلاما زكيا كلا القراءتين بنقل الكواف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل صلى الله عليه وسلم فإذا قرئت بالهمز فهو إخبار جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم الروح الأمين أنه هو الواهب لها عيسى عليه السلام وإذا قرئت بالياء فهو من أخبار
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 76
مساهمون: ابن حزم
ص٧٦